في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ} (87)

85

يتصل بهذا الحق الكبير تلك الرسالة التي جاء بها الرسول . وذلك القرآن الذي أوتيه :

( ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ) .

والمثاني الأرجح أن المقصود بها آيات سورة الفاتحة السبع - كما ورد في الأثر - فهي تثنى وتكرر في الصلاة ، أو يثنى فيها على الله .

و القرآن العظيم سائر القرآن .

والمهم أن وصل هذا النص بآيات خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق والساعة الآتية لا ريب فيها ، يشي بالاتصال بين هذا القرآن والحق الأصيل الذي يقوم به الوجود وتقوم عليه الساعة . فهذا القرآن من عناصر ذلك الحق ، وهو يكشف سنن الخالق ويوجه القلوب إليها ، ويكشف آياته في الأنفس والآفاق ويستجيش القلوب لإدراكها ، ويكشف أسباب الهدى والضلال ، ومصير الحق والباطل ، والخير والشر والصلاح والطلاح . فهو من مادة ذلك الحق ومن وسائل كشفه وتبيانه . وهو أصيل أصالة ذلك الحق الذي خلقت به السماوات والأرض . ثابت ثبوت نواميس الوجود ، مرتبط بتلك النواميس . وليس أمرا عارضا ولا ذاهبا . إنما يبقى مؤثرا في توجيه الحياة وتصريفها وتحويلها ، مهما يكذب المكذبون ، ويستهزيء المستهزئون ، ويحاول المبطلون ، الذين يعتمدون على الباطل ، وهو عنصر طاريء زائل في هذا الوجود .

ومن ثم فإن من أوتي هذه المثاني وهذا القرآن العظيم ، المستمد من الحق الأكبر ، المتصل بالحق الأكبر . . لا يمتد بصره ولا تتحرك نفسه لشيء زائل في هذه الأرض من أعراضها الزوائل . ولا يحفل مصير أهل الضلال ، ولا يهمه شأنهم في كثير ولا قليل . إنما يمضي في طريقه مع الحق الأصيل :

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ} (87)

قوله تعالى : { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ( 87 ) لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين ( 88 ) } .

جاء في سبب نزول هذه الآية أن سبع قوافل جاءت من بصرى وأذرعات إلى يهود قريظة والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البز ( الثياب ) وأوعية الطيب والجواهر وأمتعة البحر . فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها فأنفقناها في سبيل الله . فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال : لقد أعطيتكم سبع آيات خير لكم من هذه السبع القوافل{[2481]} .

والله سبحانه وتعالى يخاطب رسوله محمد ( ص ) فيمتن عليه وعلى المؤمنين أن آتاهم ( سبعا من المثاني والقرآن العظيم ) وليت شعري أي عطاء ومنة وفضل خير وأكبر مما أعطاه الله نبيه محمدا ( ص ) والمسلمين ؛ فقد أعطاهم السبع المثاني وأعطاهم قرآنه الكريم . وأعظم به من عطاء هائل مبارك . لا جرم أن ذلك خير البركات التي تتنزل على الأرض .

والمثاني والقرآن العظيم بما فيهما من الخيرات والبركات والأحكام والدلالات والمواعظ والمشاهد والأخبار وغير ذلك من المعاني العظام خير ما تؤتاه أمة من ربها .

أما المثاني : فقد اختلف المفسرون في المراد بها . وثمة قولان في تأويل ذلك .

القول الأول : إن المراد بالسبع المثاني ، السور السبع الطوال ، وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس ؛ ففيهن الفرائض والحدود والقصاص والأحكام والأمثال والأخبار والعبر . وهو قول ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وآخرين .

القول الثاني : إنها الفاتحة . وهي سبع آيات ، والبسملة الآية السابعة ، وقد روي ذلك عن علي وعمر وابن مسعود وابن عباس وآخرين . وقد سميت بالمثاني ؛ لأنها تثنى في كل صلاة أي تقرآ في كل ركعة . فهي من التثنية ومعناها التكرير ؛ لأن الفاتحة مما يتكرر في كل صلاة سواء منها الفريضة أو التطوع . وقيل : من الثناء ؛ لأنها تشتمل على الثناء على الله . وقيل : سميت بالمثاني ؛ لأنها نزلت مرتين مرة بمكة في أوائل ما نزل من القرآن ومرة بالمدينة . وقيل غير ذلك . وواحدة المثاني ، مثناة ، أو مثنية صفة للآية .

والصواب من هذه الأقوال الثاني وهو المراد بالسبع المثاني سورة الفتاحة وهي أم الكتاب لما يعزز ذلك من أخبار . منها ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي سعيد بن المعلى قال : مر بي النبي ( ص ) وأنا أصلي فدعاني فلم آته حتى صليت فأتيته فقال : " ما منعك أن تأتيني ؟ " فقلت : كنت أصلي . فقال : " ألم يقل الله ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ) ؟ ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد " فذهب النبي ( ص ) ليخرج فذكرت فقال : ( الحمد لله رب العالمين ) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " .

وكذلك أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله ( ص ) : " أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم " .

على أن ذلك لا ينافي وصف غير الفاتحة من السور الطوال بالمثاني كما لا ينافي وصف القرآن كله بهذا الوصف ؛ فقد قال جل وعلا : ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ) وسيأتي تأويل هذه الآية في موضعها من هذا التفسير إن شاء الله .


[2481]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 187.