البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ} (87)

من المثاني والمثاني جمع مثناة ، والمثنى كل شيء يثني أي : يجعل اثنين من قولك : ثنيت الشيء ثنياً أي عطفته وضممت آليه آخر ، ومنه يقال لركبتي الدابة ومرفقيه : مثاني ، لأنه يثني بالفخذ والعضد .

ومثاني الوادي معاطفه .

فتقول : سبعاً من المثاني مفهوم سبعة أشياء من جنس الأشياء التي تثني ، وهذا مجمل ، ولا سبيل إلى تعيينه إلا بدليل منفصل .

قال ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، وابن جبير : السبع هنا هي السبع الطوال : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، وبراءة ، لأنهما في حكم سورة ، ولذلك لم يفصل بينهما بالتسمية .

وسميت الطوال مثاني لأنّ الحدود والفرائض والأمثال ثنيت فيها قاله ابن عباس ، وعلى قوله من لبيان الجنس .

وقيل : السابعة سورة يونس قاله ابن جبير ، وقيل : براءة وحدها ، قاله أبو مالك .

والمثاني على قول هؤلاء وابن عباس في قوله المتقدم : القرآن .

كما قال تعالى : { كتاباً متشابهاً مثاني } وسمي بذلك لأنّ القصص والأخبار تثنى فيه وتردّد .

وقيل : السبع آل حميم ، أو سبع صحائف وهي الأسباع .

وقيل : السبع هي المعاني التي أنزلت في القرآن : أمر ، ونهي ، وبشارة ، وإنذار ، وضرب أمثال ، وتعداد النعم ، وأخبار الأمم .

قاله زياد بن أبي مريم .

وقال عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس أيضاً ، والحسن ، وأبو العالية ، وابن أبي مليكة ، وعبيد بن عمير ، وجماعة : السبع هنا هي آيات الحمد .

قال ابن عباس : وهي سبع ببسم الله الرحمن الرحيم .

وقال غيره : سبع دون البسملة .

وقال أبو العالية : لقد نزلت هذه السورة وما نزل من السبع الطوال شيء ، ولا ينبغي أن يعدل عن هذا القول ، بل لا يجوز العدول عنه لما في حديث أبيٍّ ففي آخره ، «هي السبع المثاني » وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إنها السبع المثاني وأمّ القرآن وفاتحة الكتاب " وسميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة .

وقيل : لأنها يثني بها على الله تعالى جوزه الزجاج .

قال ابن عطية : وفي هذا القول من جهة التصريف نظر انتهى .

ولا نظر في ذلك ، لأنها جمع مثنى بضم الميم مفعل من أثنى رباعياً أي : مقر ثناء على الله تعالى أي : فيها ثناء على الله تعالى .

وقال ابن عباس : لأن الله استثناها لهذه الأمة ولم يعطها لغيرها ، وقال نحوه ابن أبي مليكة .

وعلى هذا التفسير الوارد في الحديث تكون من لبيان الجنس ، كأنه قيل : التي هي المثاني ، وكذا في قول من جعلها أسباع القرآن ، أو سبع المعاني .

وأما من جعلها السبع الطوال أو آل حميم فمن للتبعيض ، وكذا في قول من جعل سبعاً الفاتحة والمثاني القرآن .

قال الزمخشري : يجوز أن تكون كتب الله كلها مثاني ، لأنها تثني عليه ، ولما فيها من المواعظ المكررة ، ويكون القرآن بعضها .

وقرأ الجمهور : والقرآن العظيم بالنصب .

فإن عني بالسبع الفاتحة أو السبع الطوال لكان ذلك من عطف العام على الخاص ، وصار الخاص مذكوراً مرتين .

إحداهما : بجهة الخصوص ، والأخرى : بجهة العموم .

أو لأنّ ما دون الفاتحة أو السبع الطوال ينطلق عليه لفظ القرآن ، إذ هو اسم يقع على بعض الشيء ، كما يقع على كله .

وإنْ عنى الإسباع فهو من باب عطف الشيء على نفسه ، من حيث أنّ المعنى : ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم أي : الجامع لهذين المعنيين وهو الثناء والتنبيه والعظم .

وقرأت فرقة : والقرآن العظيم بالخفض عطفاً على المثاني .

وأبعد من ذهب إلى أنّ الواو مقحمة ، والتقدير : سبعاً من المثاني القرآن العظيم .