في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} (126)

121

فالأن يعلمهم الله أن مرد الأمر كله إليه ، وأن الفاعلية كلها منه - سبحانه - وأن نزول الملائكة ليس إلا بشرى لقلوبهم ؛ لتأنس بهذا وتستبشر ، وتطمئن به وتثبت . أما النصر فمنه مباشرة ، ومتعلق بقدره وإرادته بلا واسطة ولا سبب ولا وسيلة :

( ما جعله الله إلا بشرى لكم ، ولتطمئن قلوبكم به ، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) . .

وهكذا يحرص السياق القرآني على رد الأمر كله إلى الله ، كي لا يعلق بتصور المسلم ما يشوب هذه القاعدة الأصيلة : قاعدة رد الأمر جملة إلى مشيئة الله الطليقة ، وإرادته الفاعلة ، وقدره المباشر . وتنحية الأسباب والوسائل عن أن تكون هي الفاعلة . وإنما هي أداة تحركها المشيئة . وتحقق بها ما تريده .

( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) . .

وقد حرص القرآن الكريم على تقرير هذه القاعدة في التصور الإسلامي ، وعلى تنقيتها من كل شائبة ، وعلى تنحيه الأسباب الظاهرة والوسائل والأدوات عن أن تكون هي الفاعلة . . لتبقى الصلة المباشرة بين العبد والرب . بين قلب المؤمن وقدر الله . بلا حواجز ولا عوائق ولا وسائل ولا وسائط . كما هي في عالم الحقيقة . .

وبمثل هذه التوجيهات المكررة في القرآن ، المؤكدة بشتى أساليب التوكيد ، استقرت هذه الحقيقة في أخلاد المسلمين ، على نحو بديع ، هادىء ، عميق ، مستنير .

عرفوا أن الله هو الفاعل - وحده - وعرفوا كذلك أنهم مأمورون من قبل الله باتخاذ الوسائل والأسباب ، وبذل الجهد ، والوفاء بالتكاليف . . فاستيقنوا الحقيقة ، وأطاعوا الأمر ، في توازن شعوري وحركي عجيب !

ولكن هذا إنما جاء مع الزمن ، ومع الأحداث ، ومع التربية بالأحداث ، والتربية بالتعقيب على الأحداث . . كهذا التعقيب ، ونظائره الكثيرة ، في هذه السورة . .

وفي هذه الآيات يستحضر مشهد بدر والرسول [ ص ] يعدهم الملائكة مددا من عند الله ؛ إذا هم استمسكوا بالصبر والتقوى والثبات في المعركة - حين يطلع المشركون عليهم من وجههم هذا . . ثم يخبرهم بحقيقة المصدر الفاعل - من وراء نزول الملائكة - وهو الله . الذي تتعلق الأمور كلها بإرادته ، ويتحقق النصر بفعله وإذنه .

( الله العزيز الحكيم ) . .

فهو( العزيز ) القوي ذو السلطان القادر على تحقيق النصر . وهو( الحكيم ) الذي يجري قدره وفق حكمته ، والذي يحقق هذا النصر ليحقق من ورائه حكمة . .

/خ179

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} (126)

قوله : ( وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به ) الضمير في ( جعله ) يعود على الإمداد بالملائكة . والبشرى ، والبشارة تعني الخبر السار ، أي أن الله أنزل الملائكة إمدادا لكم ليكون ذلك بشارة لكم وتطييبا لقلوبكم وتطمينا ، وتقوية لهممكم وتثبيتا بما يزداد به رجاؤكم بالنصر والطمع في رحمة الله .

قوله : ( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) ذلك قرار رباني ثابت لا يتخلف بعد ما ذكر من أن تقدير المدد من الله للمسلمين كان تطمينا لقلوبهم بما ينسجم مع طبيعة الإنسان المفطور على الضعف . وذلك هو شأن الإنسان ودأبه في رجاء العون والمدد المشهور تثبيتا لقلبه وأعصابه فلا تهون أو تتزعزع .

وبالرغم من ذلك كله فإن الحقيقة الماثلة الكبرى في هذا الصدد ، والقيمنة بالاعتبار والوعي والتي ينبغي أن تظل راسخة في الأذهان والقلوب هي أن النصر إنما يكتبه الله لمن يشاء من عباده . فهو سبحانه الناصر القاهر ، وهو المعز المذل وهو الذي لا سند عن ملكوته وإحاطته وعلمه شيء . لا جرم أن الله ينصر جنده المؤمنين الأبرار إذا ما اتقوه وأطاعوه ثم توكلوا عليه حق التوكل مع ما يرافق ذلك كله من اتخاذ الأسباب المستطاعة . فإذا ما استتم الحال بالمسلمين على هذا المنوال من التقى والطاعة وتمام التوكل وحسن الإعداد فإنه الله ناصرهم . فهو جل وعلا مصدر النصر وهو الذي يقهر المشركين والمجرمين والظالمين مهما أخذ بهم الاغترار بقوة السلاح وكثرة الحشود من العساكر . وذلك مقتضى قوله س [ حانه : ( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) أي أن النصر إنما يصدر من الله وحده وهو سبحانه العزيز الذي لا يقهر ولا يغالب ، وهو الحكيم الذي ينصر ويخذل بمقتضى حكمه وعلمه .