في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ} (126)

103

والذي يدرك طبيعة المعركة بينه وبين الطاغوت . . وأنها معركة العقيدة في الصميم . . لا يداهن ولا يناور . . ولا يرجو الصفح والعفو من عدو لن يقبل منه إلا ترك العقيدة ، لأنه إنما يحاربه ويطارده على العقيدة :

( وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ) . .

والذي يعرف أين يتجه في المعركة ، وإلى من يتجه ؛ لا يطلب من خصمه السلامة والعافية ، إنما يطلب من ربه الصبر على الفتنة والوفاة على الإسلام :

( ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين ) . .

ويقف الطغيان عاجزاً أمام الإيمان ، وأمام الوعي ، وأمام الاطمئنان . . يقف الطغيان عاجزاً أمام القلوب التي خيل إليه أنه يملك الولاية عليها كما يملك الولاية على الرقاب ! ويملك التصرف فيها كما يملك التصرف في الأجسام . فإذا هي مستعصية عليه ، لأنها من أمر الله ، لا يملك أمرها إلا الله . . وماذا يملك الطغيان إذارغبت القلوب في جوار الله ؟ وماذا يملك الجبروت إذا اعتصمت القلوب بالله ؟ وماذا يملك السلطان إذا رغبت القلوب عما يملك السلطان !

إنه موقف من المواقف الحاسمة في تاريخ البشرية . هذا الذي كان بين فرعون وملئه ، والمؤمنين من السحرة . . السابقين . .

إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية . بانتصار العقيدة على الحياة . وانتصار العزيمة على الألم . وانتصار " الإنسان " على " الشيطان " !

إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية . بإعلان ميلاد الحرية الحقيقية . فما الحرية إلا الاستعلاء بالعقيدة على جبروت المتجبرين وطغيان الطغاة . والاستهانة بالقوة المادية التي تملك أن تتسلط على الأجسام والرقاب وتعجز عن استذلال القلوب والأرواح . ومتى عجزت القوة المادية عن استذلال القلوب فقد ولدت الحرية الحقيقية في هذه القلوب .

إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية بإعلان إفلاس المادية ! فهذه القلة التي كانت منذ لحظة تسأل فرعون الأجر على الفوز ، وتمنى بالقرب من السلطان . . هي ذاتها التي تستعلي على فرعون ؛ وتستهين بالتهديد والوعيد ، وتُقبل صابرة محتسبة على التنكيل والتصليب . وما تغير في حياتها شيء ، ولا تغير من حولها شيء - في عالم المادة - إنما وقعت اللمسة الخفية التي تسلك الكوكب المفرد في الدورة الكبرى . وتجمع الذرة التائهة إلى المحور الثابت ، وتصل الفرد الفاني بقوة الأزل والأبد . . وقعت اللمسة التي تحوّل الإبرة ، فيلتقط القلب إيقاعات القدرة ، ويتسمع الضمير أصداء الهداية ، وتتلقى البصيرة إشراقات النور . . وقعت اللمسة التي لا تنتظر أي تغيير في الواقع المادي ؛ ولكنها هي تغير الواقع المادي ؛ وترفع " الإنسان " في عالم الواقع إلى الآفاق التي لم يكن يطمح إليها الخيال !

ويذهب التهديد . . ويتلاشى الوعيد . . ويمضي الإيمان في طريقه . لا يتلفت ، ولا يتردد ، ولا يحيد ! ويسدل السياق القرآني الستار على المشهد عند هذا الحد ولا يزيد . . إن روعة الموقف تبلغ ذروتها ؛ وتنتهي إلى غايتها . وعندئذ يتلاقى الجمال الفني في العرض ؛ مع الهدف النفسي للقصة ، على طريقة القرآن في مخاطبة الوجدان الإيماني بلغة الجمال الفني ، في تناسق لا يبلغه إلا القرآن .

/خ126

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ} (126)

قوله : { وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات من ربنا لما جاءتنا } تنقم ؛ أي تنكر وتعيب{[1499]} ؛ أي ما تعيب ولا تنكر علينا يا فرعون إلا لإيماننا بموسى وتصديقا بآيات ربنا وهي ما أنزله من الحجج والبراهين والأدلة على صدق هذا الدين جاء به موسى . فليس إيماننا مثارا للعيب والإنكار ولكنه مبعث للشرف والكرامة والثناء .

قوله : { ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين } أفرغ من الإفراغ ، وهو الإنزال والصب{[1500]} . فبعد أن أدرك السحرة المؤمنين عزم فرعون على قتلهم والتنكيل بهم وأنه لا انفلات من إجرامه الواقع لجأوا إلى الله بالابتهال والضراعة أن ينزل عليهم صبرا ؛ ليقووا به على الثبات والاستمساك في وجه الفتنة المحدقة ؛ فلا يزيغوا أو يضطربوا عند اقتحام المحنة الشديدة ، أن يكتب لهم خير الجزاء والإحسان ، وأن يقبضهم إليه مسلمين مؤمنين غير مفتونين{[1501]} .


[1499]:المعجم الوسيط جـ 2 ص 949 ومختار الصحاح ص 678.
[1500]:المصباح المنير جـ 2 ص 124.
[1501]:فتح القدير جـ 2 ص 234 وتفسير البيضاوي ص 218.