في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا} (78)

73

بعد ذلك يوجه الله رسوله [ ص ] إلى الاتصال به ، واستمداد العون منه ، والمضي في طريقه ، يعلن انتصار الحق وزهوق الباطل :

( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ، وقرآن الفجر ، إن قرآن الفجر كان مشهودا ؛ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ، وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا . وقل : جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا . وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) . .

ودلوك الشمس هو ميلها إلى المغيب . والأمر هنا للرسول [ ص ] خاصة . أما الصلاة المكتوبة فلها أوقاتها التي تواترت بها أحاديث الرسول [ ص ] وتواترت بها سنته العملية . وقد فسر بعضهم دلوك الشمس بزوالها عن كبد السماء ، والغسق بأول الليل ، وفسر قرآن الفجر بصلاة الفجر ، وأخذ من هذا أوقات الصلاة المكتوبة وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء - من دلوك الشمس إلى الغسق - ثم الفجر .

وجعل التهجد وحده هو الذي اختص رسول الله بأن يكون مأمورا به ، وأنه نافلة له . ونحن نميل إلى الرأي الأول . وهو أن كل ما ورد في هذه الآيات مختص بالرسول [ ص ] وأن أوقات الصلاة المكتوبة ثابتة بالسنة القولية والعملية .

( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ) . . أقم الصلاة ما بين ميل الشمس للغروب وإقبال الليل وظلامه ؛ واقرأ قرآن الفجر ( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) . . ولهذين الآنين خاصيتهما وهما إدبار النهار وإقبال الليل . وإدبار الليل وإقبال النهار . ولهما وقعهما العميق في النفس ، فإن مقدم الليل وزحف الظلام ، كمطلع النور وانكشاف الظلمة . . كلاهما يخشع فيه القلب ، وكلاهما مجال للتأمل والتفكر في نواميس الكون التي لا تفتر لحظة ولا تختل مرة . وللقرآن - كما للصلاة - إيقاعه في الحس في مطلع الفجر ونداوته ، ونسماته الرخية ، وهدوئه السارب ، وتفتحه بالنور ، ونبضه بالحركة ، وتنفسه بالحياة .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا} (78)

قوله : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } ، اختلفوا في الدلوك : روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : الدلوك هو الغروب . وهو قول إبراهيم النخعي ، و مقاتل بن حيان ، والضحاك ، والسدي . وقال ابن عباس : وابن عمر ، وجابر : هو زوال الشمس ، وهو قول عطاء ، وقتادة ، ومجاهد ، والحسن ، وأكثر التابعين . ومعنى اللفظ يجمعهما لأن أصل الدلوك الميل ، والشمس تميل إذا زالت وإذا غربت . والحمل على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به ، ولأنا إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها ، فدلوك الشمس : يتناول صلاة الظهر والعصر ، وإلى غسق الليل : يتناول المغرب والعشاء ، وقرآن الفجر : هو صلاة الصبح . قوله عز وجل : { إلى غسق الليل } ، أي : ظهور ظلمته ، وقال ابن عباس : بدو الليل . وقال قتادة : وقت صلاة المغرب . وقال مجاهد : غروب الشمس . { وقرآن الفجر } يعني : صلاة الفجر ، سمي صلاة الفجر قرآناً لأنها لا تجوز إلا بقرآن ، وانتصاب القرآن من وجهين ، أحدهما : أنه عطف على الصلاة ، وأقم قرآن الفجر ، قاله الفراء ، وقال أهل البصرة : على الإغراء أي وعليك قرآن الفجر . { إن قرآن الفجر كان مشهوداً } ، أي : يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، أنبأنا شعيب عن الزهري ، أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " تفضل صلاة الجميع على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءاً ، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر " ثم يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم : { إن قرآن الفجر كان مشهوداً } .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا} (78)

ولما قرر أمر أصول الدين بالوحدانية والقدرة على المعاد ، وقرر أمرهم أحسن تقرير ، واستعطفهم بنعمه ، وخوفهم من نقمه ، وقرر أنه سبحانه عصمه عليه الصلاة والسلام من فتنتهم بالسراء والضراء بما أنار به من بصيرته ، وأحسن من علانيته وسريرته ، صار من المعلوم أنه قد تفرغ للعبادة ، وتهيأ للمراقبة ، فبدأ بأشرفها فوصل بذلك قوله تعالى : { أقم } أي حقيقة بالفعل ومجازاً بالعزم عليه { الصلاة } بفعل جميع شرائطها وأركانها ومبادئها وغاياتها ، بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها ، فإنها لب العبادة بما فيها من خالص المناجاة بالإعراض عن كل غير ، وفناء كل سوى ، بما أشرق من أنوار الحضرة التي اضمحل لها كل فان ، وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أن الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون بمكرهم استفزاز الأولياء ، وأدفع الأشياء للضراء ، وأجلبها لكل سراء ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة كما تقدم تخريجه في آخر الحجر ؛ ثم عين له الأوقات بقوله تعالى : { لدلوك الشمس } أي زوالها واصفرارها وغروبها ، قال في القاموس : دلكت الشمس : غربت أو اصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء . فحينئذ في هذه اللفظة دلالة على الظهر والعصر والمغرب من استعمال المشترك في معانيه ، أما في الظهر والمغرب فواضح ، وأما في العصر فلأن أول وقتها أول أخذ الشمس في الاصفرار ، وأدل دليل على ذلك أنه غيّا الإقامة بوقت العشاء فقال تعالى : { إلى } حثاً على نية أن يصلي كلما جاء الوقت ليكون مصلياً دائماً ، لأن الإنسان في صلاة ما كان ينتظر الصلاة ، فهو بيان لأن وقت المغرب من الدلوك الذي هو الغروب إلى أن يذهب الشفق { غسق الّيل } فالغسق : ظلمة أول الليل ، وهو وقت النوم ؛ وقال الرازي في اللوامع : وهو استحكام ظلمة الليل ، وقال الرماني : ظهور ظلامه ؛ ثم عطف عليه بتغيير السياق قوله تعالى : { وقرءان } فكأنه قال : ثم نم وأقم قرآن { الفجر } إشارة إلى الصبح ، وقيل : نصب على الإغراء ، وكأنه عبر عنها بالقرآن لأنه مع كونه أعظم أركان الصلاة يطول فيها القراءة ما لا يطول في غيرها ، ويجهر به فيها دون أختها العصر وتشويقاً بالتعبير به إليها لثقلها بالنوم .

ولما كان القيام من المنام صعباً ، علل مرغباً مظهراً غير مضمر لأن المقام مقام تعظيم فقال تعالى : { إن قراءن الفجر كان مشهوداً * } يشهده فريقا الملائكة ، وهو أهل لأن يشهده كل أحد ، لما له من اللذة في السمع ، والإطراب للقلب ، والإنعاش للروح ، فصارت الآية جامعة للصلوات ؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ، يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم { إن قرءان الفجر } - الآية . قالوا : وهذا دليل على وجوب الصلاة بأول الوقت ، وأن التغليس بصلاة الفجر أفضل ؛