وراح بعضهم يسأل الرسول [ ص ] عن الروح ما هو ? والمنهج الذي سار عليه القرآن - وهو المنهج الأقوم - أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه ، وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته ؛ فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها الله فيما لا ينتج ولا يثمر ، وفي غير مجالها الذي تملك وسائله وتحيط به . فلما سألوه عن الروح أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمر الله ، اختص بعلمه دون سواه :
( ويسألونك عن الروح . قل : الروح من أمر ربي . وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) . .
وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل . ولكن فيه توجيها لهذا العقل أن يعمل في حدوده وفي مجاله الذي يدركه . فلا جدوى من الخبط في التيه ، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه لأنه لا يملك وسائل إدراكه . والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه ، وسر من أسراره القدسية أودعه هذا المخلوق البشري وبعض الخلائق التي لا نعلم حقيقتها . وعلم الإنسان محدود بالقياس إلى علم الله المطلق ، وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود . والإنسان لا يدبر هذا الكون فطاقاته ليست شاملة ، إنما وهب منها بقدر محيطه وبقدر حاجته ليقوم بالخلافة في الأرض ، ويحقق فيها ما شاء الله أن يحققه ، في حدود علمه القليل .
ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع ؛ ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف - الروح - لا يدري ما هو ، ولا كيف جاء ، ولا كيف يذهب ، ولا أين كان ولا أين يكون ، إلا ما يخبر به العليم الخبير في التنزيل .
قوله تعالى : { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } الآية .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا قيس بن حفص ، حدثنا عبد الواحد - يعني ابن زياد - حدثنا الأعمش عن إبراهيم ، عن علقمة عن عبد الله قال : بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث المدينة ، وهو يتوكأ على عسيب معه ، فمر بنفر من اليهود ، فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح ، وقال بعضهم : لا تسألوه ، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه ، فقال بعضهم لنسألنه ، فقام رجل منهم ، فقال : يا أبا القاسم ما الروح ؟ فسكت ، فقلت : إنه يوحى إليه ، فقمت ، فلما انجلى عنه الوحي ، قال : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) وفي رواية ( وما أتو من العلم إلا قليلا ) قال الأعمش : هكذا في قراءتنا . وروي عن ابن عباس أنه قال : إن قريشاً قد اجتمعوا وقالوا : إن محمداً نشأ فينا بالأمانة والصدق وما اتهمناه بكذب ، وقد ادعى ما ادعى ، فابعثوا نفراً إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب فبعثوا جماعة إليهم ، فقالت اليهود : سلوه عن ثلاثة أشياء ، فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها ، فليس بنبي ، وإن أجاب عن اثنتين ولم يجب عن واحدة فهو نبي ، فسلوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ، ما كان من أمرهم ؟ فإنه كان لهم حديث عجيب ، وعن رجل بلغ شرق الأرض و غربها ما خبره ، وعن الروح ؟ فسألوه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أخبركم بما سألتم غداً ولم يقل إن شاء الله ، فلبث الوحي - قال مجاهد : اثني عشرة ليلة ، وقيل : خمسة عشر يوماً وقال عكرمة : أربعين يوماً - وأهل مكة يقولون : وعدنا محمد غداً وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء ، حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ، ثم نزل جبريل بقوله ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله ) ، ونزلت قصة الفتية ( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً ) ، ونزل فيمن بلغ الشرق والغرب ( ويسألونك عن ذي القرنين ) ، ونزل في الروح ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) . واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه ، فروي عن ابن عباس : أنه جبريل ، وهو قول الحسن و قتادة . وروي عن علي أنه قال : هو ملك له سبعون ألف وجه ، لكل وجه سبعون ألف لسان ، يسبح الله تعالى بكلها . وقال مجاهد : خلق على صور بني آدم ، لهم أيد وأرجل ورؤوس ، وليسوا بملائكة ، ولا ناس ، يأكلون الطعام . وقال سعيد بن جبير : لم يخلق الله تعالى خلقاً أعظم من الروح غير العرش ، لو شاء أن يبتلع السماوات السبع والأرضيين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل ، صورة خلقه على صورة خلق الملائكة وصورة وجهه على صورة الآدميين ، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله عز وجل اليوم عند الحجب السبعين ، وأقرب إلى الله يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد ، ولولا أن بينه وبين الملائكة ستراً من نور لاحترق أهل السماوات من نوره . وقيل : الروح هو القرآن . وقيل : المراد منه عيسى عليه السلام ، فإنه روح الله وكلمته ، ومعناه : أنه ليس كما يقول اليهود ولا كما يقوله النصارى . وقال قوم : هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان ، وهو الأصح . وتكلم فيه قوم فقال بعضهم : هو الدم ، ألا ترى أن الحيوان إذا مات لا يفوت منه شيء إلا الدم ؟ . وقال قوم : هو نفس الحيوان ، بدليل أنه يموت باحتباس النفس . وقال قوم : هو عرض . وقال قوم : هو جسم لطيف . وقال بعضهم : الروح معنىً اجتمع فيه النور والطيب والعلو والبقاء ، ألا ترى أنه إذا كان موجوداً يكون الإنسان موصوفاً بجميع هذه الصفات ، فإذا خرج ذهب الكل ؟ . وأولى الأقاويل : أن يوكل علمه إلى الله عز وجل ، وهو قول أهل السنة . قال عبد الله بن بريدة إن الله لم يطلع على الروح ملكاً مقرباً ، ولا نبياً مرسلاً . وقوله عز وجل : ( قل الروح من أمر ربي ) قيل : من علم ربي { وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } أي : في جنب علم الله . قيل : هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم . وقيل : خطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير . وقيل : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الروح ، ولكن لم يخبر به أحداً لأن ترك إخباره به كان علماً لنبوته . والأول أصح ، لأن الله عز وجل استأثر بعلمه .
ولما بين سبحانه - بعد التعجيب من إنكارهم البعث - جهل الإنسان ، وما هو عليه من الضلال والنسيان ، إلا من فضله على أنباء نوعه كما فضل طينته على سائر الطين ، وختم بآية المشاكلة التي منها مشاكلة بعض الأرواح لبعض ومشاكلتها للطباع ، وبان بذلك أنه سبحانه وتعالى قادر على فعل ما يشاء عالم بكل معلوم ، رجع إلى التعجب منهم بما هو من شأن الأرواح التي من شأنها التشاكل فقال تعالى عاطفاً على { وقالوا إذا كنا عظاماً } : { ويسئلونك } أي تعنتاً وامتحاناً { عن الروح } الذي تقدم أنها تعاد إلى أجسادهم يوم البعث ولو كانوا حجارة أو حديداً : ما هي ؟ هل هي جسم أم لا ؟ وهل هي متولدة من امتزاج الطبائع التي في البدن أم امتزاجه مبتدأ ؟ وهل هي قديمة أم حادثة ؟ ولما كان ذلك تعنتاً ، مع أنه لا يفتقر إليه في صحة اعتقاده ، أمره بأن يجيبهم عنه بما يليق بحالهم بقوله تعالى : { قل الروح } أي هذا النوع الذي تصير به الأجسام حية { من أمر ربي } أضافها إلى الأمر وهو الإرادة وإن كانت من جملة خلقه ، تشريفاً لها وإشارة إلى أنه لا سبب من غيره يتوسط بينها وبين أمره ، بل هو يبدعها من العدم ، أو يقال - وهو أحسن : إن الخلق قسمان : ما كان بتسبيب وتنمية وتطوير ، وهو الذي يترجم في القرآن بالخلق ، والثاني ما كان إخراجاً من العدم بلا تسبيب ولا تطوير ، وهو المعبر عنه بالأمر ، ومنه هذه الروح المسؤول عنها وكل روح في القرآن ، وكذا ما هو للحفظ والتدبير كالأديان ، والجامع لذلك القيومية كما مضى عن الحرالي عند روح القدس في البقرة ، فأفادت هذه العبارة أنها محدثة ، وأنها غير مطورة ولا مسببة ، وهي جسم لطيف سار في البدن كماء الورد في الورد على الصحيح عند أهل السنة ، وأمسك السلف عن الإمعان في الكلام على الروح أدباً ، لأنهم علموا أن في عدم الجواب لسؤالهم بغير هذا إشارة إلى أن السكوت عنه أولى لهم ؛ ثم أتبعه التنبيه على جهلهم لتعكيسهم في الأسئلة بتركهم الإقبال على ما لا يفهمونه بلا شك وينفعهم في الدارين من هذا الروح المعنوي وهو القرآن ، وإقبالهم على ما لا يفهمونه من الروح المحسوس لقلة علمهم ، ومن فهمه منهم لا يفهمه إلا بعسر عظيم ، وفيه أسئلة كثيرة جداً لا برهان على أجوبتها ، منها أنه متحيز أم لا ؟ وأنه مغاير للنفس أم لا ؟ وهل تبقى بعد الموت أم لا ؟ فعلمنا به أنه إنما هو على الإجمال ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه ، فإن أكثر حقائق الأشياء مجهولة ، وهي موجودة .
فالسكنجبين خاصيته قمع الصفراء ، وحقيقة تلك الخاصية مجهولة ، وهي معلومة الوجود ، وليس وراء العلم بما سألوا عنه من الروح بعد فهمه من الفائدة ما لذلك الذي تركوه ولا قريب منه ، فقال تعالى دالاً على حدوثه بتغيره ، فإنه يكون في المبدإ جاهلاً ثم يحدث له العلم شيئاً بعد شيء ، وكل متغير حادث : { وما أوتيتم } أي من أيّ مؤت كان بعد أن كنتم لا تعلمون شيئاً { من العلم } أي مطلق هذه الحقيقة ، فكيف بالمشكل منها { إلا قليلاً * } ومما تجهلونه أمور ضرورية لكم ، لأن تماديكم على الجهل بها سبب لهلاككم في الدارين ، فمن أجهل الجهل وأضل الضلال أن تسألوا عما لا يضركم الجهل به ، ويتوقف إثباته على أمور دقيقة ، ومقدمات صعبة ، وتتركوا ما يضركم الجهل به في الدين والدنيا ، مع كونه في غاية الوضوح ، لكثرة ما قام عليه من الأدلة ، وله بحضرتكم من الأمثلة ، والذي سألتموه منزه عن الغش والضيق ، فهو ينبهكم على عبثكم نصيحة لكم ويعدل عن جوابكم عنه إلى ما ينفعكم رفقاً بكم ، ولفهم هذا سكت السلف عن الخوض في أمره ، والخطاب لليهود والعرب ، أما العرب فواضح ، وأما اليهود فإنهم وإن كانوا أهل الكتاب فذلك إشارة إلى تلاشي علمهم في جنب علم الله ؛ كما ستأتي الإشارة إليه بقول الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام في العصفور الذي نقر من البحر نقرة أو نقرتين ، فحيث ورد تعظيم علم أحد وتكثيره فهو بالنسبة إلى غيره من الخلق ، وحيث ورد تقليله - كما في هذه الآية - فهو من حيث إضافته إلى علم الله تعالى ، وهذه الآية ورد في سبب نزولها ما يظن أنه متناقض ، فإنه روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة ، فسأله اليهود عن الروح فأوحى إليه ، فلما انجلى عنه الوحي تلا عليهم - الآية .
وفي السيرة الهشامية والدلائل للبيهقي وتفسير البغوي وغيره من التفاسير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً أرسلت إلى اليهود قبل الهجرة تسألهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عند قريش ، فأمروهم أن يسألوه عن الروح ، وعن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " أخبركم بما سألتم عنه غداً " - ولم يستثن ، فانصرفوا عنه ، فمكث فيما يذكرون خمس عشرة ليلة ، لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً ، حتى أرجف به أهل مكة ، وحتى حزن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ، وروي أيضاً أن لبث الوحي كان أربعين ليلة . وروي : اثنتي عشرة ليلة ، وفي مسند أبي يعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قالت قريش ليهود : أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل ! فقالوا : سلوه عن الروح ، فسألوه ، ونزلت { ويسئلونك } - الآية . وليس ذلك وأمثاله بحمد الله بمشكل ، فإنه محمول على أنه نزل للسبب الأول ، فلما سئل عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثانياً لم يجب فيه بالجواب الأول ، إما لرجاء أن يؤتى بأوضح منه ، أو خشية أن يكون نسخ - أو نحو ذلك لأمر رآه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فيعيد الله سبحانه إنزاله عليه تثبيتاً له وإعلاماً بأنه هو الجواب ، وفيه مقنع ، وفي تأخير الجواب في هذا الأمر برهان قاطع لقريش وكل من له أدنى لب على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أن هذا القرآن من عند الله ، لا يقدر عليه غيره ، لأنه لو كان قادراً على الإتيان بشيء منه من عند نفسه أو من عند أحد من الخلق لبذل جهده في ذلك ، تنزيهاً لنفسه الشريفة ، وهمته المنيفة ، وعرضه الطاهر ، عن مثل ما خاضوا فيه بسبب إخلاف موعدهم .
ولما كانت الروح من عالم الأمر الذي هو من سر الملكوت ، ضمت إلى سورة الإسراء الذي هو من أبطن سر الملكوت لاسيما بما علا به من المعراج الذي جعل لغرابته كالرؤيا { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } ولذلك فصلت عن السؤالين الآخرين ، لأنهما من عالم الملك ، وسيأتي بقية الكلام على هذا في سورة الكهف إن شاء الله تعالى .