في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا} (159)

148

ونعود من هذا الاستطراد ، مع عودة السياق القرآني إلى بقية هذا الاستدراك :

( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ؛ ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا ) .

وقد اختلف السلف في مدلول هذه الآية ، باختلافهم في عائد الضمير في " موته " فقال جماعة : وما من أهل الكتاب من أحد إلا يؤمن بعيسى - عليه السلام - قبل موته - أي عيسى - وذلك على القول بنزوله قبيل الساعة . . وقال جماعة وما من أهل الكتاب من أحد إلا يؤمن بعيسى قبل موته . . أي موت الكتابي - وذلك على القول بأن الميت - وهو في سكرات الموت - يتبين له الحق ، حيث لا ينفعه أن يعلم !

ونحن أميل إلى هذا القول الثاني ؛ الذي ترشح له قراءة أبى : " إلا ليؤمنن به قبل موتهم " . . فهذه القراءة تشير إلى عائد الضمير ؛ وأنه أهل الكتاب . . وعلى هذا الوجه يكون المعنى : أن اليهود الذين كفروا بعيسى - عليه السلام - وما زالوا على كفرهم به ، وقالوا : إنهم قتلوه وصلبوه ، ما من أحد منهم يدركه الموت ، حتى تكشف له الحقيقة عند حشرجة الروح ، فيرى أن عيسى حق ، ورسالته حق ، فيؤمن به ، ولكن حين لا ينفعه إيمان . . ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا} (159)

قوله تعالى : { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } ، أي : وما من أهل الكتاب إلا ليؤمن بعيسى عليه السلام ، هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم ، وقوله { قبل موته } اختلفوا في هذه الكناية ، فقال عكرمة ، ومجاهد ، والضحاك ، والسدي : إنها كناية عن الكتابي ، ومعناه : وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى عليه السلام قبل موته ، إذا وقع في البأس حين لا ينفعه إيمانه ، سواء احترق ، أو غرق ، أو تردى في بئر ، أو سقط عليه جدار ، أو أكله سبع ، أو مات فجأة ، وهذه رواية عن بن طلحة ، عن ابن عباس رضي الله عنهم قال : فقيل لابن عباس رضي الله عنهما : أرأيت إن خر من فوق بيت ؟ قال : يتكلم به في الهواء ، قال : فقيل أرأيت إن ضرب عنق أحدهم ؟ قال : يتلجلج به لسانه . وذهب قومً إلى أن الهاء في موته كناية عن عيسى عليه السلام ، معناه : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى عليه السلام ، وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان ، فلا يبقى أحد إلا آمن به ، حتى تكون الملة واحدة ، ملة الإسلام .

وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً ، يكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال ، حتى لا يقبله أحد ، ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، ويقتل الدجال ، فيمكث في الأرض أربعين سنة . ثم يتوفى ، ويصلي عليه المسلمون .

وقال أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم : { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } ، قبل موت عيسى ابن مريم ، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات . وروي عن عكرمة : أن الهاء في قوله { ليؤمنن به } كناية عن محمد صلى الله عليه وسلم يقول : لا يموت كتابي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : هي راجعة إلى الله عز وجل ، يقول : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالله عز وجل ، قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه إيمانه .

قوله تعالى : { ويوم القيامة يكون } ، يعني : عيسى عليه السلام .

قوله تعالى : { عليهم شهيداً } أنه قد بلغهم رسالة ربه ، وأقر بالعبودية على نفسه ، كما قال تعالى مخبراً عنه { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } [ المائدة :117 ] وكل نبي شاهد على أمته ، قال الله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } [ النساء :41 ] .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا} (159)

ولما أنجز الكلام إلى أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على هذا المنهاج البديع بما ذكر في نصائح اليهود وقبائح أفعالهم ، وأنهم قصدوا{[23704]} قتله{[23705]} عليه الصلاة والسلام ، فخاب قصدهم ، و{[23706]}اصلد زندُهم{[23707]} ، وقال رأيهم{[23708]} ، ورد عليهم بغيهم ، وحصل له بذلك أعلى المناصب وأولى المراتب ؛ قال محققاً لما أثبته في الآية قبلها من القطع بكذبهم ، مثبتاً أنهم في مبالغتهم في عداوته سيكونون من أتباعه المصدقين بجميع أمره{[23709]} الذي منه التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومؤكداً له أشد تأكيد لما عندهم من الإنكار له{[23710]} : { وإن } أي والحال أنه ما { من أهل الكتاب } أي أحد يدرك نزوله في آخر الزمان { إلا } وعزتي { ليؤمنن به } أي بعيسى عليه الصلاة والسلام { قبل موته } أي موت عيسى عليه الصلاة والسلام ، أي إنه لا يموت حتى ينزل في آخر الزمان ، يؤيد الله دين الإسلام ، حتى يدخل فيه جميع أهل الملل ، إشارة إلى أن موسى عليه الصلاة والسلام إن كان قد أيده الله تعالى بأنبياء كانوا يجددون{[23711]} دينه زماناً طويلاً ، فالنبي الذي نسخ شريعة{[23712]} موسى - وهو عيسى عليهما الصلاة والسلام - هو الذي يؤيد الله به هذا النبي{[23713]} العربي في تجديد شريعته وتمهيد أمره والذب{[23714]} عن دينه ، ويكون من أمته بعد أن كان صاحب شريعة مستقلة وأتباع مستكثرة ، أمر قضاء الله في الأزل فأمضاه ، فأطيلوا أيها اليهود أو{[23715]} أقصروا ! فمعنى الآية إذن - والله أعلم - أنه ما من أحد من أهل الكتاب المختلفين في عيسى عليه الصلاة والسلام على شك إلا وهو يوقن بعيسى عليه الصلاة والسلام قبل موته بعد نزوله من السماء أنه ما قتل وما صلب ، ويؤمن به عند زوال{[23716]} الشبهة - {[23717]}والله أعلم{[23718]} ؛ روى الشيخان وأحمد وأبو بكر بن مردويه وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده ! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً وإماماً عادلاً ، فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً{[23719]} من الدنيا وما فيها " ؛ وفي رواية : وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ؛ وفي رواية : حتى يهلك الله الملل كلها غير الإسلام ، فيهلك{[23720]} الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } الآية : موت عيسى عليه الصلاة والسلام - ثم{[23721]} يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات{[23722]} - ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ، وليدعون{[23723]} إلى المال فلا يقبله أحد ؛ وفي رواية : ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ؛ ولمسلم{[23724]} عنه رضي الله عنه : كيف بكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ؛ وفي رواية : فأمكم منكم ، قال الوليد بن مسلم - أحد رواة الحديث : قال ابن أبي ذئب : تدري ما أمكم{[23725]} منكم ؟ قلت تخبرني ! قال : فأمكم بكتاب{[23726]} ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ؛ ولمسلم{[23727]} أيضاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا تزال{[23728]} طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ، فينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فيقول أميرهم : تعال صل لنا ! فيقول : لا{[23729]} ! إن بعضكم على بعض أمراء {[23730]}تكرمة{[23731]} الله هذه الأمة ؛ وروى عن ابن عباس ومحمد بن علي المشهور بابن الحنفية رضي الله عنهم أن المعنى : ألا ليؤمنن بعيسى عليه الصلاة والسلام قبل موت ذلك الكتابي عند الغرغرة حين لا ينفعه الإيمان ، ليكون ذلك زيادة في حسرته{[23732]} ، قال الأصبهاني : وتدل{[23733]} على صحة هذا التأويل قراءة أبيّ : ليؤمنن قبل موتهم - بضم النون .

ولما أخبر تعالى عن حالهم معه في هذه الدار أتبعه فعله بهم في تلك فقال : { ويوم القيامة } أي الذي يقطع ذكره القلوب ، ويحمل التفكر فيه على كل خير ويقطع عن كل شر { يكون } وأذن بشقائهم بقوله : { عليهم شهيداً } أي بما عملوا ؛


[23704]:من ظ ومد، وفي الأصل: قتلوا.
[23705]:زيد من ظ ومد.
[23706]:من مد، أي صوت ولم يور، وفي الأصل: أصله مزيدهم، وفي ظ: أصله زيدهم ـ كذا.
[23707]:من مد، أي صوت ولم يور، وفي الأصل: أصله مزيدهم، وفي ظ: أصله زيدهم ـ كذا.
[23708]:قال الرأي: أخطأ وضعف.
[23709]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ ومد فحذفناها.
[23710]:زيدت من ظ ومد.
[23711]:من ظ ومد، وفي الأصل: يجدون.
[23712]:في ظ: شريعته.
[23713]:زيد من ظ ومد.
[23714]:في ظ: الدرء.
[23715]:من مد، وفي الأصل وظ "و".
[23716]:من ظ ومد، وفي الأصل: تزول.
[23717]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[23718]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[23719]:في ظ: خير.
[23720]:في ظ: فأهلك.
[23721]:زيد من ظ ومد.
[23722]:في ظ: مرار.
[23723]:من ظ ومد، وفي الأصل: ليدعوك.
[23724]:ومن هنا سقطت صفحتان من مد.
[23725]:من صحيح مسلم ـ كتاب الإيمان باب نزول عيسى ابن مريم، وفي النسختين: إمامكم.
[23726]:زيد بعده في ظ: الله.
[23727]:زيد من ظ.
[23728]:في ظ: لا يزال.
[23729]:زيد من صحيح مسلم.
[23730]:من ظ وصحيح مسلم، وفي الأصل: أميرا ـ كذا.
[23731]:في ظ: فلزمه ـ كذا.
[23732]:في ظ: جزية.
[23733]:في ظ: يدل.