في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا} (22)

وفي نهاية هذه الفقرة يحرم تحريما باتا - مع التفظيع والتبشيع - أن ينكح الأبناء ما نكح آباؤهم من النساء . وقد كان ذلك في الجاهلية حلالا . وكان سببا من أسباب عضل النساء أحيانا ، حتى يكبر الصبي فيتزوج امرأة أبيه ، أو إن كان كبيرا تزوجها بالوراثة كما يورث الشيء ! فجاء الإسلام يحرم هذا الأمر أشد التحريم :

( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء - إلا ما قد سلف - إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ) . .

ويبدو لنا من حكمة هذا التحريم ثلاثة اعتبارات - وإن كنا نحن البشر لا نحيط بكل حكمة التشريع ، ولا يتوقف خضوعنا له ، وتسليمنا به ، ورضاؤنا إياه على إدراكنا أو عدم إدراكنا لهذه الحكمة ، فحسبنا أن الله قد شرعه ، لنستيقن أن وراءه حكمة ، وأن فيه المصلحة .

نقول : يبدو لنا من حكمة هذا التحريم ثلاثة اعتبارات : الأول أن امرأة الأب في مكان الأم . والثاني : ألا يخلف الابن أباه ؛ فيصبح في خياله ندا له . وكثيرا ما يكره الزوج زوج امرأته الأول فطرة وطبعا ، فيكره أباه ويمقته ! والثالث : ألا تكون هناك شبهة الإرث لزوجة الأب . الأمر الذي كان سائدا في الجاهلية . وهو معنى كريه يهبط بإنسانية المرأة والرجل سواء . وهما من نفس واحد ، ومهانة أحدهما مهانة للآخر بلا مراء .

لهذه الاعتبارات الظاهرة - ولغيرها مما يكون لم يتبين لنا - جعل هذا العمل شنيعا غاية الشناعة . . جعله فاحشة . وجعله مقتا : أي بغضا وكراهية . وجعله سبيلا سيئا . . إلا ما كان قد سلف منه في الجاهلية ، قبل أن يرد في الإسلام تحريمه . فهو معفو عنه . متروك أمره لله سبحانه . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا} (22)

قوله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } . كان أهل الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم ، قال الأشعث بن سوار : توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار ، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت : إني اتخذتك ولداً وأنت من صالحي قومك ، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره ، فأتته فأخبرته ، فأنزل الله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } .

قوله تعالى : { إلا ما قد سلف } . قيل : بعد ما سلف ، وقيل : معناه لكن ما سلف أي : ما مضى في الجاهلية فهو معفو عنه .

قوله تعالى : { إنه كان فاحشةً } . أي إنه فاحشة وكان فيه صلة ، والفاحشة أقبح المعاصي .

قوله تعالى : { ومقتاً } أي : يورث مقت الله ، والمقت : أشد البغض .

قوله تعالى : { وساء سبيلا } . وبئس ذلك طريقاً ، وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت . وكان منهم الأشعث بن قيس ، وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية . أخبرنا محمد بن الحسن المروزي ، أخبرنا أبو سهل محمد بن عمرو السجزي ، أنا الإمام أبو سليمان الخطابي ، أنا أحمد بن هشام الحضرمي ، أنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، عن حفص بن غياث ، عن أشعث بن سوار ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب ، قال : مر بي خالي ومعه لواء فقلت : أين تذهب ؟ قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا} (22)

ولما كرر ذكر الإذن في نكاحهن وما تضمنه منطوقاً مفهوماً ، وكان قد تقدم الإذن في نكاح ما طاب من النساء ، وكان الطيب شرعاً قد يحمل على الحل ؛ مست الحاجة إلى ما يحل منهن لذلك{[20877]} وما يحرم فقال : { ولا تنكحوا } أي تتزوجوا وتجامعوا{[20878]} { ما نكح } أي بمجرد العقد في الحرة ، وبالوطء في ملك اليمين { آبآؤكم } وبين { ما } بقوله : { من النساء } أي سواء كانت إماء أو لا ، بنكاح أو ملك يمين ، وعبر بما دون " من " لما في النساء غالباً من السفه المدني لما لا{[20879]} يعقل .

ولما نهى عن ذلك فنزعت{[20880]} النفوس عما{[20881]} كان قد{[20882]} ألف{[20883]} بهاؤه{[20884]} فلاح أنه في غاية القباحة وأن الميل{[20885]} إليه {[20886]}إنما هو{[20887]} شهوة بهيمية{[20888]} لا شيء فيها من عقل ولا مروة ، وكانت عادتهم في مثل ذلك مع التأسف على ارتكابه السؤال عما مضى منه - كما وقع في استقبال بيت المقدس وشرب الخمر ؛ أتبعه الاستثناء من لازم الحكم وهو : فإنه موجب لمقت{[20889]} من ارتكبه وعقابه فقال : { إلا ما قد سلف } أي لكم من فعل ذلك في أيام الجاهلية{[20890]} كما قال الشافعي رحمه{[20891]} الله في الأم ، قال السهيلي في روضه{[20892]} : وكان ذلك مباحاً في الجاهلية لشرع{[20893]} متقدم ، ولم يكن من الحرمات التي انتهكوها . ثم علل النهي بقوله : { إنه } اي هذا النكاح { كان } أي الآن وما بعده كوناً راسخاً { فاحشة } أي والفاحشة لا يقدم عليها تام العقل { ومقتاً } أي أشر{[20894]} ما يكون بينكم وبين ذوي الهمم لما انتهكتم من حرمة آبائكم { وساء سبيلاً * } أي قبح طريقاً طريقه .


[20877]:زيد من مد.
[20878]:زيد من ظ ومد.
[20879]:من ظ ومد، وفي الأصل: فنزعته.
[20880]:من ظ ومد، وفي الأصل: بما.
[20881]:من ظ ومد، وفي الأصل: بما.
[20882]:من مد، وفي الأصل وظ: هذا.
[20883]:في ظ: الفت ـ كذا.
[20884]:من ظ ومد، وفي الأصل: لهابه، وفي ظ: بها، وفي مد: مهامه ـ كذا.
[20885]:من ظ ومد، وفي الأصل: المثل.
[20886]:من مد، وفي الأصل وظ: إنه كان.
[20887]:من مد، وفي الأصل وظ: إنه كان.
[20888]:من ظ ومد، وفي الأصل: بهيمة.
[20889]:في مد: لمقته.
[20890]:العبارة من هنا إلى "في الجاهلية" سقطت من ظ.
[20891]:سقط من مد.
[20892]:من مد، وفي الأصل: روضة.
[20893]:من مد، وفي الأصل: لنزع، وفي ظ: شرع ـ كذا.
[20894]:من ظ ومد، وفي الأصل: أسر ـ كذا.