في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ} (52)

50

ثم يوجههم إلى الاستغفار والتوبة . ويكرر السياق التعبير ذاته الذي ورد في أول السورة على لسان خاتم الأنبياء ، ويعدهم هود ويحذرهم ما وعدهم محمد وحذرهم بعد ذلك بآلاف السنين :

( ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويزدكم قوة إلى قوتكم . ولا تتولوا مجرمين ) . .

استغفروا ربكم مما أنتم فيه ، وتوبوا إليه فابدأوا طريقا جديدا يحقق النية ويترجمها إلى عمل يصدق النية . .

( يرسل السماء عليكم مدرارا ) . .

وكانوا في حاجة إلى المطر يسقون به زروعهم ودوابهم في الصحراء ، ويحتفظون به بالخصب الناشئ من هطول الأمطار في تلك البقاع .

( ويزدكم قوة إلى قوتكم ) . .

هذه القوة التي عرفتم بها . .

( ولا تتولوا مجرمين ) . .

مرتكبين لجريمة التولي والتكذيب .

وننظر في هذا الوعد . وهو يتعلق بإدرار المطر ومضاعفة القوة . وهي أمور تجري فيها سنة الله وفق قوانين ثابتة في نظام هذا الوجود ، من صنع الله ومشيئته بطبيعة الحال . فما علاقة الاستغفار بها وما علاقة التوبة ؟

فأما زيادة القوة فالأمر فيها قريب ميسور ، بل واقع مشهود ، فإن نظافة القلب والعمل الصالح في الأرض يزيدان التائبين العاملين قوة . يزيدانهم صحة في الجسم بالاعتدال والاقتصار على الطيبات من الرزق وراحة الضمير وهدوء الأعصاب والاطمئنان إلى الله والثقة برحمته في كل آن ؛ ويزيدانهم صحة في المجتمع بسيادة شريعة الله الصالحة التي تطلق الناس أحرارا كراما لا يدينون لغير الله على قدم المساواة بينهم أمام قهار واحد تعنو له الجباه . . كما تطلقان طاقات الناس ليعملوا وينتجوا ويؤدوا تكاليف الخلافة في الأرض ؛ غير مشغولين ولا مسخرين بمراسم التأليه للأرباب الأرضية وإطلاق البخور حولها ودق الطبول ، والنفخ فيها ليل نهار لتملأ فراغ الإله الحق في فطرة البشر !

والملحوظ دائما أن الأرباب الأرضية تحتاج ويحتاج معها سدنتها وعبادها أن يخلعوا عليها بعض صفات الألوهية من القدرة والعلم والإحاطة والقهر والرحمة . . أحيانا . . كل ذلك ليدين لها الناس ! فالربوبية تحتاج إلى ألوهية معها تخضع بها العباد ! وهذا كله يحتاج إلى كد ناصب من السدنة والعباد وإلى جهد ينفقه من يدينون لله وحده في عمارة الأرض والنهوض بتكاليف الخلافة فيها ، بدلا من أن ينفقه عباد الأرباب الأرضية في الطبل والزمر والتراتيل والتسابيح لهذه الأرباب المفتراة !

ولقد تتوافر القوة لمن لا يحكمون شريعة الله في قلوبهم ولا في مجتمعهم ، ولكنها قوة إلى حين . حتى تنتهي الأمور إلى نهايتها الطبيعية وفق سنة الله ، وتتحطم هذه القوة التي لم تستند إلى أساس ركين . إنما استندت إلى جانب واحد من السنن الكونية كالعمل والنظام ووفرة الإنتاج . وهذه وحدها لا تدوم . لأن فساد الحياة الشعورية والاجتماعية يقضي عليها بعد حين .

فأما إرسال المطر . مدرارا . فالظاهر للبشر أنه يجري وفق سنن طبيعية ثابتة في النظام الكوني . ولكن جريان السنن الطبيعية لا يمنع أن يكون المطر محييا في مكان وزمان ، ومدمرا في مكان وزمان ؛ وأن يكون من قدر الله أن تكون الحياة مع المطر لقوم ، وأن يكون الدمار معه لقوم ، وأن ينفذ الله تبشيره بالخير ووعيده بالشر عن طريق توجيه العوامل الطبيعية ؛ فهو خالق هذه العوامل ، وجاعل الأسباب لتحقيق سنته على كل حال . ثم تبقى وراء ذلك مشيئة الله الطليقة التي تصرف الأسباب والظواهر بغير ما اعتاد الناس من ظواهر النواميس وذلك لتحقيق قدر الله كيفما شاء . حيث شاء . بالحق الذي يحكم كل شيء في السماوات والأرض غير مقيد بما عهده الناس في الغالب .

/خ60

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ} (52)

ولما دعاهم مشيراً إلى ترهيبهم مستدلاً على الصدق بنفي الغرض ، رغبهم في إدامة {[39450]}الخوف مما{[39451]} مضى بقوله : { ويا قوم } ومن هم أعز الناس عليّ ولهم قدرة على ما{[39452]} طلب منهم { استغفروا ربكم } أي اطلبوا غفرانه بطاعتكم له لما يجب له بإحسانه إليكم . وأشار إلى علو رتبة التوبة بأداة التراخي فقال : { ثم توبوا إليه } أي تسموا عالي هذه الرتبة بأن تطلبوا ستر الله لذنوبكم ثم ترجعوا إلى طاعته بالندم والإقلاع والاستمرار { يرسل السماء } أي الماء النازل منها أو السحاب بالماء { عليكم مدراراً } أي هاطلة بمطر غزير متتابع { ويزدكم قوة } أي عظيمة مجموعة { إلى قوتكم } ثم عطف على قوله { استغفروا } قوله : { ولا تتولوا } أي تكلفوا أنفسكم غير ما جبلت عليه من سلامة{[39453]} الانقياد فتبالغوا في الإعراض - بما أشار إليه إثبات التاء { مجرمين* } أي قاطعين لأنفسكم - ببناء أمركم على الظنون الفاسدة عن{[39454]} خيرات الدنيا والآخرة .


[39450]:في ظ: الحرف بما.
[39451]:في ظ: الحرف بما.
[39452]:سقط من مد.
[39453]:من ظ، وفي الأصل: سلالة، وفي مد: سلاسة.
[39454]:في ظ: من.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ} (52)

قوله : { يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا } ذلك إنباء من الله عن قيل هود لقومه عاد وقد كانوا يقيمون بين الشام واليمن وكانوا أهل عمارة وبساتين وزروع ، قال لهم نبيهم هود : { استغفروا ربكم } آمنوا به دون غيره من المخاليق المفتراة ، واخلعوا الأوثان من قلوبكم وأحلامكم ، وتبرؤوا منها كامل التبرؤ { ثم توبوا إليه } أي توبوا إلى الله من ذنوبكم ومعاصيكم وشرككم { يرسل السماء عليكم مدرارا } { مدرارا } ، منصوب على الحال من السماء{[2108]} ، والمدرار ، كثير الدار أو الدرور ، وهو الصب أو السيلان . وعين مدرارة ؛ أي كثيرة الدمع . والمراد بالمدرار هنا : كثير السح{[2109]} ؛ أي يرسل عليكم المطر دالحا غزيرا ، يتبع بعضه بعضا ؛ فيعم فيكم الخير والنماء والخصب { ويزيدكم قوة إلى وقوتكم } أي يزيدكم شدة مضافة إلى شدتكم . أو يزيدكم الله عزا إلى عزكم ، أو قوة في المال والنسل .

قوله : { ولا تتولوا مجرمين } أي لا تولوا مدبرين عما أدعوكم غليه من توحيد الله والتطهير كاملا من رجس الوثنية والأصنام .

وقوله : { مجرمين } من الإجرام ، وهو اكتساب الآثام والذنوب ، ومنه الجريمة وهي الجناية وجمعها جرائم{[2110]} ؛ أي لا تعرضوا عن دعوة الله مصرين على إجرامكم وذنوبكم{[2111]} .


[2108]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 18.
[2109]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 279 ومختار الصحاح ص 202.
[2110]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 118 والمصباح المنير جـ 1 ص 106.
[2111]:تفسير النسفي جـ 2 ص 193 وفتح القدير جـ 2 ص 505 وتفسير الطبري جـ 12 ص 35، 36.