في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ} (12)

1

ومن ثم يجيء التعقيب الحاسم والتقرير الصادق :

( ألا إنهم هم المفسدون ، ولكن لا يشعرون ) . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ} (12)

ولما كان حالهم مبنياً على الخداع بإظهار الخير وإبطان الشر وكانوا يرون إفسادهم لما لهم من عكس الإدراك إصلاحاً فكانوا يناظرون عليه بأنواع الشبه كان قولهم ربما غرّ من سمعه من المؤمنين لأن المؤمن غرّ كريم والكافر خِبّ لئيم فقال تعالى محذراً من حالهم مثبتاً لهم ما نفوه عن أنفسهم من الفساد وقاصراً له عليهم { ألا إنهم هم } أي خاصة { المفسدون } أي الكاملو{[727]} الإفساد البالغون من العراقة فيه ما يجعل إفساد غيرهم بالنسبة إلى إفسادهم عدماً لما في ذلك من خراب ذات البين وأخذ المؤمن من المأمن .

وقال الحرالي : ولما كان حال الطمأنينة بالإيمان إصلاحاً وجب أن يكون اضطرابهم فيه إفساداً لا سيما مع ظنهم أن كونهم مع هؤلاء تارة ومع هؤلاء تارة من الحكمة والإصلاح وهو عين الإفساد لأنه بالحقيقة مخالفة هؤلاء وهؤلاء فقد أفسدوا طرفي الإيمان والكفر ، ولذلك قيل : ما يصلح المنافق ، لأنه لا حبيب مصاف ولا عدو{[728]} مبائن ، فلا يعتقد منه على شيء - انتهى .

ولما كان هذا الوصف موجباً لعظيم الرهبة اتبعه ما يخففه{[729]} بقوله : { ولكن لا يشعرون } أي هم{[730]} في غاية الجلافة حتى لا شعور لهم يحسنون به التصرف فيما يحاولونه من الفساد الآن بما دلت عليه ما في الآية السابقة الدالة على أن المضارع للحال ولا فيما يستقبل من الزمان لأن لا لا تقارنه إلا وهو بمعنى الاستقبال ، فلأجل ذلك لا يؤثر إفسادهم إلا في أذى أنفسهم ، فلا تخافوهم فإني كافيكموهم .


[727]:في مد: الكاملون
[728]:زيد في ظ: مبين
[729]:وفي ظ: يحققه
[730]:وفي تفسير النسفي: لا يشعرون أنهم مفسدون فحذف المفعول للعلم به "إلا" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي لإعطاء معنى التنبيه على تحقيق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحققا كقوله تعالى "ليس ذلك بقادر" ولكونها في هذا المنصب من التحقيق لا تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم وقد رد الله ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ رد وأدله على سخط عظيم والمبالغة فيه من جهة الاستئناف وما في "إلا " و "إن" من التأكيد وتعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله "لا يشعرون" - انتهى
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ} (12)

وقد زعم المنافقون أنهم يبتغون من ممالأتهم للكافرين الإصلاح وأنهم يعملون من أجل التوفيق والمصالحة بين فريق المؤمنين وفريق الكافرين ، وذلك كذب وزور ، فما كان هؤلاء العصاة المتلصصون في الظلام ليبتغوا الخير والإصلاح ولكنهم شرذمة فاسدة شريرة لا تنوي غير الشر والأذى تلحقهما بالمسلمين .

ولذلك يأتي النص الرباني قاطعا ليحسم المسألة على هؤلاء مفسدون لا مصلحون : ( ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ( وقوله : ( ألا ( يفيد التنبيه والاستفتاح ، يدخل على الجملة الفعلية والاسمية . {[21]}

وقوله : ( لا يشعرون ( أي أن هؤلاء المنافقين الذين يقارفون كل ضروب المعاصي والذين يمالئون الكافرين ويوالونهم ضد المؤمنين لا يعلمون أنهم فسقة وأنهم خارجون عن صراط الله ، وهم بذلك يجهلون أنهم عصاة مفسدون ، لأنهم يرفضون الاستماع إلى الحقيقة والنصر ويستكفون عن مجرد الإصغاء لكلمة الحق بقولها لهم المؤمنون بإخلاص .


[21]:الدر المصون جـ 1 ص 139.