في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ} (10)

1

ولكن لماذا يحاول المنافقون هذه المحاولة ؟ ولماذا يخادعون هذا الخداع

( في قلوبهم مرض ) . .

في طبيعتهم آفة . في قلوبهم علة . وهذا ما يحيد بهم عن الطريق الواضح المستقيم . ويجعلهم يستحقون من الله أن يزيدهم مما هم فيه :

( فزادهم الله مرضا ) . .

فالمرض ينشىء المرض ، والانحراف يبدأ يسيرا ، ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد . سنة لا تتخلف . سنة الله في الأشياء والأوضاع ، وفي المشاعر والسلوك . فهم صائرون إذن إلى مصير معلوم . المصير الذي يستحقه من يخادعون الله والمؤمنين :

( ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ} (10)

ثم بين سبحانه أن سبب الغفلة عن هذا الظاهر كون آلة إدراكهم مريضة ، شغلها المرض عن إدراك ما ينفعها فهي لا تجنح إلا إلى ما يؤذيها ، كالمريض لا تميل نفسه إلى غير مضارها فقال جواباً لمن كأنه قال : ما سبب فعلهم هذا من الخداع{[715]} وعدم الشعور{[716]} ؟ { في قلوبهم مرض }{[717]} أي من أصل الخلقة يوهن قوى الإيمان فيها ويوجب ضعف أفعالهم الإسلامية وخللها ، لأن المرض كما قال الحرالي : ضعف في القوى يترتب عليه خلل في الأفعال { فزادهم الله } أي{[718]} بما له من صفات الجلال والإكرام لمخادعتهم{[719]} بما يرون من عدم تأثيرها{[720]} { مرضاً } أي سوء اعتقاد بما يزيد من خداعهم وألماً في قلوبهم بما يرون من خيبة مطلوبهم ، فانسد عليهم باب الفهم والسداد جملة ، والزيادة قال الحرالي : استحداث أمر لم يكن في موجود الشيء . انتهى . { ولهم } أي مع ضرر الغباوة في الدنيا الملحقة بالبهائم { عذاب أليم } في الآخرة أي شديد الألم وهو الوجع اللازم . قاله الحرالي { بما كانوا } قال الحرالي : من كان الشيء وكان الشيء كذا إذا ظهر وجوده وتمت صورته أو ظهر ذلك الكذا من ذات نفسه . انتهى . { يكذبون } أي يوقعون{[721]} الكذب وهو الإخبار عن أنفسهم بالإيمان مع تلبّسهم بالكفران ، والمعنى{[722]} على قراءة التشديد يبالغون في الكذب ، أو ينسبون الصادق إلى الكذب ، وذلك أشنع الكذب .


[715]:ليست في مد
[716]:ليست في مد
[717]:المرض حقيقة فيما يعرض البدن فيخرجه عن الاعتدال الخاص به ويوجب الخلل في أفعاله ومجاز في الأعراض النفسانية التي تخل بكمالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصي لأنها مانعة عن نيل الفضائل أو مؤدية إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية، والآية تحتملهما.
[718]:ليس في مد
[719]:ليست في م
[720]:ليست في م
[721]:وفي أنوار التنزيل: والمعنى بسبب كذبهم أو ببدله جزاء له وهو قولهم "آمنا"
[722]:وفي أنوار التنزيل "يكذبون" من كذبه لأنهم كانوا يكذبون الرسول بقاوبهم، أو من كذب الوحشى إذا جرى شوطا ووقف لينظر ما وراءه فإن المنافق متحير متردد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ} (10)

قوله : ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليهم بما كانوا يكذبون ( تكشف هذه الآية عن طبيعة ملتوية للمنافقين الذين يخالط قلوبهم المرض ، وقد ورد في تفسير المرض عدة أقوال منها : أنه يعني الشك ، وقيل : النفاق والرياء ، وقيل غير ذلك ، وفي تقديرنا أن المقصود بالمرض هنا لا يمكن تحديده بأحد هذه الضروب المعنية وهي الشك أو النفاق أو الرياء أو الجحد والتكذيب كما قيل .

مع أن هذه الظواهر جميعها لا تخرج عن دائرة المرض في مفهومه الشامل ، أو أنها أعراض فاسدة قبيحة يتمخض عنها المرض نفسه ، لكننا نتصور أن المرض الذي يخالط القلوب فيسميها الإفساد والتخريب لتنشأ عن ذلك ظواهر الشك أو النفاق أو غيره ، إنما هو الذي يأتي على الفطرة البشرية لتكون مشلولة فاسدة لا تزجي غير الشر والضلال ، أو هو الذي يأتي على النفس فتكون ملتوية غير سوية وقد أفسدها التعقيد والانحراف .

ويمكن إيجاز ذلك في عبارة سريعة لتفسير المرض فنقول : إنه الانحراف الذي يغشى طبيعة الإنسان ، فتكون ضالة عن صراط الحق السوي ، أو تكون منحرفة انحرافا مشينا يتجه بالإنسان صوب الشر والفساد ، أو صوب الضلال والميل عن منهج الله .

وقوله : ( فزادهم الله مرضا( قيل : إن هذه العبارة الكريمة تحتمل أحد معنيين : أحدهما : الإخبار وهو أن الله سبحانه يزيد هؤلاء المنافقين مرضا على مرضهم ، ثانيهما : الدعاء على المنافقين كي يزيدهم الله مرضا فوق مرضهم ، غير أننا نرجح القول الأول ، ويمكن أن نتصور كيفية ذلك وهو أن هؤلاء المنافقين سادرون في الغي والضلال ، فلا تمر الأيام إلا وهم يزدادون رجسا على رجس ، بحيث تتعاظم مفاسدهم وخطاياهم بفعل الفطرة الفاسدة الملتوية التي تسول لهم الخطيئة والحرام .

قوله : ( ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ( الضمير عائد على المنافقين الذي أعد الله لهم العذاب الأليم ، وهو على صيغة مبالغة من الفعل " ألم " والأليم هو المؤلم الموجع ، وسبب ذلك أنهم كاذبون فقد كذبوا على الله وكذبوا على المؤمنين إذ قالوا لهم : إننا مؤمنون ، وفي قراءة أخرى بالتشديد يكذبون أي يجحدون نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام ويكذبونه فيما جاء به من كتاب .