في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ} (34)

15

وهنا تظهر شخصية " المرأة " من وراء شخصية الملكة . المرأة التي تكره الحروب والتدمير ، والتي تنضي سلاح الحيلة والملاينة قبل أن تنضي سلاح القوة والمخاشنة :

قالت : إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون . وإني مرسله إليهم بهدية فناظره بم يرجع المرسلون !

فهي تعرف أن من طبيعة الملوك أنهم إذا دخلوا قرية [ والقرية تطلق على المدينة الكبيرة ] أشاعوا فيها الفساد ، وأباحوا ذمارها ، وانتهكوا حرماتها ، وحطموا القوة المدافعة عنها ، وعلى رأسها رؤساؤها ؛ وجعلوهم أذلة لأنهم عنصر المقاومة . وأن هذا هو دأبهم الذي يفعلونه .

والهدية تلين القلب ، وتعلن الود ، وقد تفلح في دفع القتال . وهي تجربة . فإن قبلها سليمان فهو إذن أمر الدنيا ، ووسائل الدنيا إذن تجدي . وإن لم يقبلها فهو إذن أمر العقيدة ، الذي لا يصرفه عنه مال ، ولا عرض من أعراض هذه الأرض .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ} (34)

ولما علمت أن من سخر له الطير على هذا الوجه لا يعجزه شيء يريده ، ولا أحد يكيده ، مالت إلى المسالمة ، فاستأنف سبحانه وتعالى الإخبار عنها بقوله : { قالت } جواباً لما أحست في جوابهم من ميلهم إلى الحرب أن الصواب من غير ارتياب أن نحتال في عدم قصد هذا الملك المطاع ؛ ثم عللت هذا الذي أفهمه سياق كلامها بقولها { إن الملوك } أي مطلقاً ، فكيف بهذا النافذ الأمر ، العظيم القدر { إذا دخلوا قرية } أي عنوة بالقهر والغلبة { أفسدوها } أي بالنهب والتخريب { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } أي بما يرونهم من البأس ، ويحلون بهم من السطوة . ثم أكدت هذا المعنى بقولها : { وكذلك } أي ومثل هذا الفعل العظيم الشأن ، الوعر المسلك البعيد الشأو { يفعلون* } دائماً ، هو خلق لهم مستمر جميعهم على هذا ، فكيف بمن تطيعه الطيور ، ذوات الوكور ، فيما يريده من الأمور .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ} (34)

قوله : { قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } قالت بلقيس لمن حولها من الحاشية والأشراف عقب عرضهم أنفسهم عليها لقتال سليمان : إن الملوك إذا دخلوا بلدا أو مدينة عنوة وقهرا { أَفْسَدُوهَا } بالقتل والتخريب والإذلال . وهو قوله : { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } أي أهانوا أشرافها وكبراءها فجعلوهم أذلة مقهورين { وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } هذا من قول بلقيس ، تأكيدا لما قالته عن إفساد الملوك لما يحتلونه ويقهرونه من البلاد والعباد .

وقيل : هذا من قول الله ، إذ يبين لنبيه صلى الله عليه وسلم وأمته ما يفعله الملوك إذ غلبوا أهل القرية ودخلوها عنوة ، وإنما يفعل ذلك من الملوك الذين يحكمون بشرائع الضلال والجاهلية ، الشرائع القائمة على الظلم والشر والباطل ، والتي تسوّل للساسة والأمراء والملوك الطغاة أن يفعلوا الآثام والمنكرات والمعاصي . أولئك هم ملوك الضلال والباطل الذين يشاقون الله ورسوله ، ويسعون في الأرض فسادا ، ويسوسون الناس بغير ما أنزل الله بل يسوسونهم بالكفر وأنظمة الجاهلية ، ويقودونهم بالبطش والتنكيل . أما الملوك الذين يخشون ربهم يحكمون الناس بشريعة الله ، شريعة العدل والفضل والرحمة والاستقامة . فأولئك لا يفسدون البلاد ولا يسعون في خرابها وتدميرها بل ينشرون فيها الخير والفضيلة والهداية . ويرسخون فيها العدل والرحمة والاستقرار .