في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (171)

121

وقد عرفوا هذا واستيقنوه من حياتهم " عند ربهم " ومن تلقيهم لما يفيضه عليهم من نعمة وفضل ، ومن يقينهم بأن هذا شأن الله مع المؤمنين الصادقين . وأنه لا يضيع أجر المؤمنين . .

فما الذي يبقى من خصائص الحياة غير متحقق للشهداء - الذين قتلوا في سبيل الله ؟ - وما الذي يفصلهم عن إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ؟ وما الذي يجعل هذه النقلة موضع حسرة وفقدان ووحشة في نفس الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ؛ وهي أولى أن تكون موضع غبطة ورضى وأنس ، عن هذه الرحلة إلى جوار الله ، مع هذا الاتصال بالأحياء والحياة !

إنها تعديل كامل لمفهوم الموت - متى كان في سبيل الله - وللمشاعر المصاحبة له في نفوس المجاهدين أنفسهم ، وفي النفوس التي يخلفونها من ورائهم . وإفساح لمجال الحياة ومشاعرها وصورها ، بحيث تتجاوز نطاق هذه العاجلة ، كما تتجاوز مظاهر الحياة الزائلة . وحيث تستقر في مجال فسيح عريض ، لا تعترضه الحواجز التي تقوم في أذهاننا وتصوراتنا عن هذه النقلة من صورة إلى صورة ، ومن حياة إلى حياة !

ووفقا لهذا المفهوم الجديد الذي أقامته هذه الآية ونظائرها من القرآن الكريم في قلوب المسلمين ، سارت خطى المجاهدين الكرام في طلب الشهادة - في سبيل الله - وكانت منها تلك النماذج التي ذكرنا بعضها في مقدمات الحديث عن هذه الغزوة . فيرجع إليها هناك .

/خ179

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (171)

ولما ذكر سرورهم لأنفسهم تارة ولإخوانهم أخرى كرره تعظيماً له وإعلاماً بأنه في الحقيقة عن غير استحقاق . وإنما هو مجرد مَنّ فقال : { يستبشرون بنعمة من الله } أي ذي الجلال والإكرام ، كبيرة { وفضل } أي منه عظيم { وأن الله } أي الملك الأعظم الذي لا يقدره{[19773]} أحد حق قدره { لا يضيع أجر المؤمنين * } أي منهم ومن غيرهم{[19774]} ، بل يوفيهم أجرهم على أعمالهم ويفضل عليهم ، ولو شاء لحاسبهم على سبيل العدل ، ولو فعل ذلك لم يكن لهم شيء .


[19773]:من ظ، وفي الأصل: لا يقدر.
[19774]:في ظ: غيره.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (171)

قوله : ( يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) وهذا التكرير في الاستبشار الأول . فالاستبشار الأول كان بلحوق إخوانهم بهم في الشهادة وبمنجاتهم من الخوف والحزن . والثاني بنعمة الله وفضله . والنعمة يراد بها الجنة . والفضل داخل فيها . وعلى هذا فإن الله تعالى يبين أن هؤلاء الشهداء قد استبشروا مرتين :

الأولى : استبشارهم بأحوال الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم .

والثانية : استبشارهم بأحوال أنفسهم خاصة .

وثمة تفصيل يتعلق بأحكام الشهيد نبينه في اقتضاب فنقول :

إن الشهيد لا يغسل إذا قتل في المعترك وهو يواجه العدو . وهذا قول الجمهور . لما روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر بقتلى أحد فدفنوا بثيابهم ولم يصل عليهم . أما الشهيد غير قتيل المعترك فإنه يغسل . وهو قول الحنفية والشافعية والمالكية وآخرين . فقد ذهب هؤلاء جميعهم إلى غسل جميع الشهداء والصلاة عليهم إلا قتيل المعترك في قتال العدو خاصة . أما من قتل مظلوما كقتيل الخوارج واللصوص وقطاع الطريق وشبه ذلك فإنه يغسل في قول المالكية والشافعية ، خلافا للحنفية إذ قالوا : كل من قتل مظلوما لم يغسل ولكنه يصلى عليه وعلى كل شهيد .

أما إذا حمل الشهيد حيا ولم يمت في المعترك وعاش وأكل فإنه يصلى عليه كما صنع بعمر رضي الله عنه .

أما الصلاة على الشهيد فموضع خلاف كذلك . فقد ذهبت المالكية والشافعية والحنابلة وأهل الظاهر إلى أنه لا يصلي على الشهيد المقتول في المعركة ؛ وذلك لحديث جابر قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم . أما الحنفية فقالوا بوجوب الصلاة على الشهيد ، لكنه لا يغسل لما ورد في ذلك من آثار أكثرها مراسيل على النبي صلى الله عليه و سلم على حمزة وعلى سائر شهداء أحد . وهذا ما لا خلاف فيه .

ولو دهم العدو المسلمين بغتة فقتل منهم ، فهل يكون حكم القتيل منهم محكم قتيل المعترك ؟ ثمة قولان في ذلك ، أصحهما : أنه يغسل ويصلي عليه ؛ لأنه لم يقتل في المعترك بين الصفين{[637]} .

ويستفاد من هذه الآية ما أعده الله للشهيد من عظيم الثواب فضلا عن تكفير الخطايا والذنوب جميعا إلا الدين ؛ وذلك للخبر " القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين ، كذلك قال جبريل عليه السلام " .

والتنصيص هنا على الدين تنبيه على ما في معناه من حقوق الناس المتعلقة بالذمم . وذلك كالسرقة والغصب وأخذ المال بالباطل ونحو ذلك من التبعات الثقال . فذلك كله أولى ألا يغفر بالجهاد والاستشهاد من الدين ؛ لأن ذلك أشد وُبوقا من الدين .

على أن الدين يحول بين الشهيد ودخول الجنة هو الذي يترك له المدين وفاء ولم يوص به . أو قدر على الوفاء حال حياته ولم يؤده ولم تحدثه نفسه بالوفاء ولا بالتوصية بالأداء بعد موته . أما إذا أدانه في حق بسبب من فاقة أو عسر ونحو ذلك ومات من غير أن يترك وفاء فإن الله لا يحول بينه وبين الجنة بمنته وفضله{[638]} .


[637]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 269-272 وبداية المجتهد لابن رشد جـ 1 ص 192، 203.
[638]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 273، 274.