ثم تكرار هذا النهي ؛ ووصف هؤلاء الخائنين ، الذين جادل عنهم [ ص ] بأنهم يختانون أنفسهم . وتعليل ذلك بأن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا :
( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم . إن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا ) .
وهم خانوا غيرهم في الظاهر . ولكنهم في الحقيقة خانوا أنفسهم . فقد خانوا الجماعة ومنهجها ، ومبادئها التي تميزها وتفردها . وخانوا الأمانة الملقاة على الجماعة كلها ، وهم منها . . ثم هم يختانون أنفسهم في صورة أخرى . صورة تعريض أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر الجزاء . حيث يكرههم الله ، ويعاقبهم بما أثموا . وهي خيانة للنفس من غير شك . . وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم ، هي تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب والخيانة .
إن الله لا يحب من كان خوانا أثيمًا . .
وهذ عقوبة أكبر من كل عقوبة . . وهي تلقي إلى جانبها إيحاء آخر . فالذين لا يحبهم الله لا يجوز أن يجادل عنهم أحد ، ولا أن يحامي عنهم أحد . وقد كرههم الله للإثم والخيانة !
ولما نهاه عن الخصام{[22634]} لمطلق الخائن{[22635]} ، وهو من وقعت منه خيانة ما ؛ أتبعه النهي عن المجادلة عمن تعمد الخيانة فقال سبحانه وتعالى : { ولا تجادل } أي في وقت ما { عن الذين يختانون } أي يتجدد منهم تعمد أن يخونوا { أنفسهم } بأن يوقعوها في{[22636]} الهلكة{[22637]} بالعصيان فيما اؤتمنوا{[22638]} عليه من الأمور الخفية ، والتعبير بالجمع - مع أن الذي نزلت فيه الآية واحد - للتعميم وتهديد من أعانه من قومه ، ويجوز أن يكون أشار بصيغة الافتعال إلى{[22639]} أن الخيانة لا تقع{[22640]} إلا مكررة{[22641]} ، فإنه يعزم عليها أولاً ثم يفعلها ، فأدنى لذلك أن يكون قد خان من{[22642]} نفسه مرتين ، قال الإمام ما{[22643]} معناه أن التهديد في هذه الآية عظيم جداً ، وذلك أنه سبحانه وتعالى عاتب خير الخلق عنده وأكرمهم لديه هذه المعاتبة وما فعل {[22644]}إلا الحق{[22645]} في الظاهر ، فكيف بمن يعلم الباطن ويساعد{[22646]} أهل الباطل ؟ فكيف إن كان بغيرهم{[22647]} ؟ ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أن{[22648]} من خان غيره كان مبالغاً في الخيانة بالعزم وخيانة الغير المستلزمة لخيانة النفس {[22649]}فلذا{[22650]} ختمت بالتعليل بقوله : { إن الله } أي الجليل العظيم ذا{[22651]} الجلال والإكرام { لا يحب } أي لا يكرم { من كان خواناً أثيماً } بصيغتي{[22652]} المبالغة - على أن مراتب المبالغين في الخيانة متفاوتة ، وفيه مع هذا استعطاف لمن وقعت منه الخيانة مرة واحدة وقدم سبحانه وتعالى ذلك ، لأن فيه دفعاً للضر{[22653]} عن البريء وجلباً للنفع إليه ؛
قوله : ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ) ذلك نهي عن المجادلة عن الخائنين الذين يخونون أنفسهم بإزلاقها في مزالق الافتراء والبهتان فضلا عن الحرام والسحت الذي يقتات به هؤلاء الفسّاق . والجدال والمجادلة من الجدل وهو لغة الفتل . والجدالة هي الأرض ، وربط ذلك بكل من الخصمين ؛ لأن كلا منهما يودّ جاهدا أن يطرح خصمه على الأرض مقهورا . ولا غرو فإن الله تباركت أسماؤه لا يرضى عن الخوّان وهو المغالي في الخيانة وفعل الحرام والذي لا يتورع عن ممارسة كل محظور أو خطيئة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.