في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ} (102)

فأما الاستفتاء عن مسائل لم تقع ، فهو استفتاء عن فرض غير محدد . وما دام غير واقع فإن تحديده غير مستطاع . والفتوى عليه حينئذ لا تطابقه لأنه فرض غيرمحدد . والسؤال والجواب عندئذ يحملان معنى الاستهتار بجدية الشريعة ؛ كما يحملان مخالفة للمنهج الإسلامي القويم .

ومثله الاستفتاء عن أحكام شريعة الله في أرض لا تقام فيها شريعة الله ، والفتوى على هذا الأساس ! . . إن شريعة الله لا تستفتى إلا ليطبق حكمها وينفذ . . فإذا كان المستفتي والمفتي كلاهما يعلمان أنهما في أرض لا تقيم شريعة الله ؛ ولا تعترف بسلطان الله في الأرض وفي نظام المجتمع وفي حياة الناس . . أي لا تعترف بألوهية الله في هذه الأرض ولا تخضع لحكمه ولا تدين لسلطانه . . فما استفتاء المستفتي ؟ وما فتوى المفتي ؟ إنهما - كليهما - يرخصان شريعة الله ، ويستهتران بها شاعرين أو غير شاعرين سواء !

ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة . . إنها دراسة للتلهية ! لمجرد الإيهام بأن لهذا الفقه مكانا في هذه الأرض التي تدرسه في معاهدها ولا تطبقه في محاكمها ! وهو إيهام يبوء بالإثم من يشارك فيه ، ليخدر مشاعر الناس بهذا الإيهام !

إن هذا الدين جد . وقد جاء ليحكم الحياة . جاء ليعبد الناس لله وحده ، وينتزع من المغتصبين لسلطان الله هذا السلطان ، فيرد الأمر كله إلى شريعة الله ، لا إلى شرع أحد سواه . . وجاءت هذه الشريعة لتحكم الحياة كلها ؛ ولتواجه بأحكام الله حاجات الحياة الواقعية وقضاياها ، ولتدلي بحكم الله في الواقعة حين تقع بقدر حجمها وشكلها وملابساتها .

ولم يجيء هذا الدين ليكون مجرد شارة أو شعار . ولا لتكون شريعته موضوع دراسة نظرية لا علاقة لها بواقع الحياة . ولا لتعيش مع الفروض التي لم تقع ، وتضع لهذه الفروض الطائرة أحكاما فقهية في الهواء !

هذا هو جد الإسلام . وهذا هو منهج الإسلام . فمن شاء من " علماء " هذا الدين أن يتبع منهجه بهذا الجد فليطلب تحكيم شريعة الله في واقع الحياة . أو على الأقل فليسكت عن الفتوى والقذف بالأحكام في الهواء !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ} (102)

ولما نهى عن السؤال عنها ليتعرف حالها ، علل ذلك بأن غيرهم عرف أشياء وطلب أن يعطاها ، إما بأن سأل غيره ذلك ، وإما بأن شرعها وسأل غيره أن يوافقه عليها وهو قاطع بأنها غاية في الحسن فكانت سبب شقائه فقال : { قد سألها } يعني أمثالها ، ولم يقل : سأل عنها ، إشارة إلى ما أبدته { قوم } أي{[27831]} أولو عزم وبأس وقيام في الأمور .

ولما كان وجود القوم فضلاً عن سؤالهم لم يستغرق زمان القبل ، أدخل الجار فقال : { من قبلكم } ولما كان الشيء إذا جاء عن مسألة جديراً{[27832]} بالقبول لا سيما إذا كان من ملك فكيف إذا كان من ملك الملوك . فكان رده في غاية البعد ، {[27833]} عبر عن استبعاده بأداة البعد{[27834]} في قوله : { ثم أصبحوا بها } أي عقب إتيانهم{[27835]} إياها سواء من غير مهلة { كافرين * } أي ثابتين في الكفر ، هذا زجر بليغ لأن يعودوا لمثل ما أرادوا من تحريم ما أحل لهم ميلاً إلى الرهبانية والتعمق في الدين المنهي عنه بقوله :{ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم }[ المائدة : 87 ] .


[27831]:سقط من ظ.
[27832]:من ظ، وفي الأصل: جدير.
[27833]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27834]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27835]:في ظ: أنبيائهم- كذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ} (102)

قوله : { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرينَ } ذلك إخبار من الله عز وجل عن أقوام سابقين سألوا أنبياءهم آيات مثل ما سألتموه أنتم فلما بينها الله لهم وفرضها عليهم كفروا بها وقالوا : ليست هذه من عند الله . واختلفوا في تعيين القوم . فقد روي عن ابن عباس أنهم قوم عيسى عليه السلام سألوه إنزال المائدة ثم كفروا بها . وقيل : هم قوم صالح عليه السلام سألوه الناقة ثم عقروها وكفروا بها . وقيل : هم قوم موسى عليه السلام ( بنو إسرائيل ) سألوه أن يريهم الله جهرة أو سألوه بيان البقرة . وقيل : كان بنو إسرائيل يسألون أنبياءهم عن أشياء فإذا أخبروهم كذبوهم فهلكوا( {[1088]} ) .


[1088]:- روح المعاني ج7 ص39-42 والكشاف ج1 ص647-649 وابن كثير ج2 ص105، 106 وفتح القدير ج2 ص81، 82.