في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

ثم يستمر السياق في كشف خطة الشيطان من وراء هذا الرجس :

( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة . . . ) . .

بهذا ينكشف لضمير المسلم هدف الشيطان ، وغاية كيدة وثمرة رجسه . . إنها إيقاع العداوة والبغضاء في الصف المسلم - في الخمر والميسر - كما أنها هي صد ( الذين آمنوًا عن ذكر الله وعن الصلاة ) . . ويالها إذن من مكيدة !

وهذه الأهداف التي يريدها الشيطان أمور واقعة يستطيع المسلمون ان يروها في عالم الواقع بعد تصديقها من خلال القول الإلهي الصادق بذاته . فما يحتاج الإنسان إلى طول بحث حتى يرى أن الشيطان يوقع العداوة والبغضاء - في الخمر والميسر - بين الناس . فالخمر بما تفقد من الوعي وبما تثير من عرامة اللحم والدم ، وبما تهيج من نزوات ودفعات . والميسر الذي يصحابها وتصاحبه بما يتركه في النفوس من خسارات واحقاد ؛ إذا المقمور لابد ان يحقد على قامره الذي يستولى على ماله أمام عينيه ، ويذهب به غانما وصاحبه مقمور مقهور . . إن من طبيعة هذه الأمور أن تثير العداوة والبغضاء ، مهما جمعت بين القرناء في مجالات من العربدة والانطلاق اللذين يخيل للنظرة السطحية أنهما أنس وسعادة !

وأما الصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، فلا يحتاجان إلى نظر . . فالخمر تنسي ، والميسر يلهي ، وغيبوبة الميسر لا تقل عن غيبوبة الخمر عند المقامرين ؛ وعالم القامر كعالم السكير لا يتعدى الموائد والأقداح والقداح !

وهكذا عندما تبلغ هذه الإشارة إلى هدف الشيطان من هذا الرجس غايتها من إيقاظ قلوب ( الذين آمنوا ) وتحفزها ، يجيء السؤال الذي لا جواب له عندئذ إلا جواب عمر رضي الله عنه وهو يسمع :

فهل أنتم منتهون ؟

فيجيب لتوه : " انتهينا . انتهينا " . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

ولما كانت حكمة النهي عن الأنصاب والأزلام قد تقدمت في أول السورة ، وهي أنها فسق ، اقتصر على بيان علة النهي عن الخمر والميسر إعلاماً بأنهما المقصودان بالذات ، وإن كان الآخرينَ ما ضما{[27581]} إلا لتأكيد تحريم هذين - كما تقدم ، لأن المخاطب أهل الإيمان ، وقد كانوا مجتنبين لذينك ، فقال مؤكداً لأن الإقلاع عما حصل التمادي في المرون عليه يحتاج{[27582]} إلى مثل ذلك : { إنما يريد الشيطان } أي بتزيين الشرب والقمار لكم { أن يوقع بينكم العداوة } .

ولما كانت العداوة قد تزول أسبابها ، ذكر ما ينشأ عنها مما إذا{[27583]} استحكم تعسر{[27584]} أو تعذر زواله ، فقال : { والبغضاء في الخمر والميسر } أي تعاطيهما لأن الخمر تزيل العقل ، فيزول المانع من إظهار الكامن من الضغائن والمناقشة والمحاسدة ، فربما أدى ذلك إلى حروب طويلة وأمور مهولة ، والميسر يذهب المال فيوجب ذلك الإحنة على من سلبه ماله ونغص عليه أحواله{[27585]} .

ولما ذكر ضررهما في الدنيا ، ذكر ضررهما في الدين فقال : { ويصدكم عن ذكر الله } أي الملك الأعظم الذي لا إله لكم{[27586]} غيره ولا كفوء له ، وكرر الجار تأكيداً{[27587]} للأمر وتغليظاً{[27588]} في التحذير فقال : { وعن الصلاة } أما في الخمر فواضح ، وأما في الميسر فلأن الفائز{[27589]} ينسى ببطر{[27590]} الغلبة ، والخائب{[27591]} مغمور بهمه ، وأعظم التهديد بالاستفهام والجملة الاسمية الدالة على الثبات بعد التأكيد بالحصر والضم إلى فعل الجاهلية وبيان الحِكَم الداعية إلى الترك والشرور{[27592]} المنفرة عن الفعل فقال : { فهل أنتم منتهون * } أي قبل أن يقع بكم ما لا تطيقون .


[27581]:في ظ: هما.
[27582]:في ظ: محتاج.
[27583]:سقط من ظ.
[27584]:في ظ: بعسر.
[27585]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[27586]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[27587]:في ظ: لأمر وتعظيما.
[27588]:في ظ: لأمر وتعظيما.
[27589]:في الأصل: ينس ببطر، وفي ظ: ينسى ببظر- كذا.
[27590]:في الأصل: ينس ببطر، وفي ظ: ينسى ببظر- كذا.
[27591]:في الأصل: الجانب، وفي ظ: الجابت- كذا.
[27592]:في ظ: النشرو- كذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

قوله : { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ } أي أن الشيطان يسول لكم شرب الخمر والمقامرة ، إرادة منه أن يغويكم فيوقع بينكم العداوة والبغضاء في شربكم الخمر وفي مياسرتكم ومقامرتكم ليعادي بعضكم بعضاً ويبغض بعضكم بعضاً فيتشتت أمركم ويتمزق صفكم بعد أن ألّف الله بين قلوبكم بالإيمان وأخوة الإسلام .

أما وجه العداوة والبغضاء في الخمر ، فإن الشاربين إذ يحتسون الخمر يقبلون عليها بشره وتعشّق طلباً للذة والطرب والانتشاء الزائف المصطنع . حتى إذا ولغوا فيها ولوغاً خالطت عقولهم مخالطة ، وأثرت في أحلامهم بالغ التأثير . لا جرم أنه تأثير سلبي فاضح يحول بين المرء وكامل وعيه وإدراكه ويسدل على العقل كثيفاً من الحجاب الصفيق ليحول بينه وبين القدرة على الإدراك والتمييز .

والسكارى وهم يعبّون من كؤوس الخمرة عبّاً يلفهم غطاء الغفلة والخدر وانعدام الإحساس والوعي فتأخذهم حالة من الهذيان المطبق ، فلا يلبث المخمورون المأفونون بعد ذلك أن يلجوا في الصياح والصخب والغضب واللجاج بفعل الخمرة التي استحوذت على عقولهم فأفقدتهم القدرة على التماسك والضبط . وما يلبث المخمورون أن تتعثر ألسنتهم بقبائح الكلام من فحش وقذف وطعن وخوض في أعراض الناس والمحرمات . وكل ذلك لسوف يفضي بالضرورة إلى الكراهية والعداوة والتباغض بين الشاربين السكارى .

أما وجه العداوة والبغضاء في الميسر . فإن اللاعب المقامر لا ينجو من الخسارة . فلئن ربح من مرة أو مرات فلسوف يذوق وبال الخسارة في مرات أخرى . وربما يخسر ماله كليّاً في جلسة واحدة أو أكثر من جلسات الخسة والخزي على موائد القمار حيث السحت والجشع والأمل اللاهث المكروب . وذلك يعني أن المقامر سوف لا ينجو من الخسران مهما أوتي من براعة في المياسرة .

والمقامر الخاسر يجد قلبه كظيظاً مترعاً بمرارة الكراهية والحقد وفيض الامتعاض والمضاضة بما يحمله على مباغضة خصمه الآخر ومعاداته أشد المعاداة . فلا يكون المتقامرون بذلك إلا الأشتات من البشر المتهافت ، والأناسي المتباغضين المتنافرين الذين تغمر قلوبهم موجة مستعرة من الضغن المتأجج لما جنوه على أنفسهم من التلطخ بلوثة السحت البشع على مائدة القمار الذميم .

قوله : { وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلواَةِ } يريد الشيطان للعباد كل سوء وشر . فهو لا يفتأ طيلة الأيام والأزمان يحرضهم لفعل السيئات والمعاصي ، ويتربص بهم السقوط في الخطيئة بما يودي بهم إلى الهاوية وسوء المصير . والخمر والميسر سببان يلج منهما الشيطان لابن آدم فيسول له فعل كل معصية من قول أو فعل ، ثم يصدهم فوق ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة .

أما الخمر فهي تخامر العقل مخامرة لتسدل عليه ستاراً من الذهول والعمه فيعجز عن الاستبصار والتمييز . والشارب الذي طغى على ذهنه وقلبه وأعصابه حسوات من خمر ، أجدر أن لا يكون في عداد الذاكرين لله . بل هو في زمرة اللاهين السامدين الذين يتيهون حماقة ورعونة . فأنَّى لمثل هذا المخمور التائه المأفون أن يعي أو يتدبر وجيبة الذكر لله .

وكذا الصلاة . فإن من تبددت في كيانه ظواهر الوعي والفهم والتدبر أجدر أن لا يتذكر الصلاة . هذه العبادة الرائعة المميزة المكرورة مرات في كل يوم . العبادة الخاصة التي تتكامل فيها مركبات الشخصية المؤمنة لتلتئم في كيان واحد متسق عجيب يناجي ربه وهو بين يديه . حتى ما يكون في كيان الإنسان كله من أعصاب وحواس وتفكير إلا ويقف واجماً ضارعاً متوسلاً خاشعاً في لحظات الصلاة . فأنّى للمخمور المتطيش مسلوب العقل والإرادة أن يؤدي مثل هذه العبادة الجليلة . لا جرم أنه بذلك مصدود عن ذكر الله وعن الصلاة .

وكذلك الميسر . فإنه شَرَك للمقامر الجشع . المقامر الوالغ في أكل الباطل والحرام ، السادر في اكتساب السحت ظلماً وعدواناً . ذلك هو المقامر المنكود الذي يترعرع في عيشه المتدنس على حساب الآخرين الخاسرين بغير حق .

والمقامر الذي تنشغل فيه أعصابه وذهنه وجسده كله في عملية الميسر إنما يجد نفسه مشدود الإرادة والعزيمة والقلب لهذه العملية المقبوحة فلا متسع عنده لأيّما اهتمام بذكر الله أو الصلاة . وأنَّى لمثل هذا المقامر اللاهث المخبول أن يذكر ربه فينيب إليه طائعاً مخبتاً أو يعبأ بالصلاة فيبادر القيام بها ؟ !

قوله : { فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ } هذا الاستفهام ينطوي على تأكيد ظاهر على النهي ، عن الخمر والميسر . فما بقي من عذر بعد هذا التنديد البالغ بالخمر والميسر ، لما فيهما من إشاعة للمباغضات والعداوات . ولأن كل واحد منهما ملهاة للمؤمن تصده عن ذكر الله وعن الصلاة . وقد أدرك عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد لمن يتخلف أو يتردد فقال مبادراً : انتهينا يا رب .