في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ} (81)

وما الدافع ؟ ما دافع القوم لتولي الذين كفروا ؟ إنه عدم الإيمان بالله والنبي :

( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء . ولكن كثيرا منهم فاسقون ) . .

هذه هي العلة . . إنهم لم يؤمنوا بالله والنبي . . إن كثرتهم فاسقة . . إنهم يتجانسون - إذن - مع الذين كفروا في الشعور والوجهة ؛ فلا جرم يتولون الذين كفروا ولا يتولون المؤمنين . .

وتبرز لنا من هذا التعقيب القرآني ثلاث حقائق بارزة :

الحقيقة الأولى : أن أهل الكتاب جميعا - إلا القلة التي آمنت بمحمد [ ص ] غير مؤمنين بالله . لأنهم لم يؤمنوا برسوله الأخير . ولم ينف القرآن الكريم عنهم الإيمان بالنبي وحده . بل نفى عنهم الإيمان بالله كذلك . ( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ) وهو تقرير من الله - سبحانه - لا يقبل التأويل . مهما تكن دعواهم في الإيمان بالله . . وبخاصة إذا اعتبرنا ما هم عليه من انحراف التصور للحقيقة الإلهية كما سلف في آيات هذا الدرس وفي غيرها من آيات القرآن الكريم .

والحقيقة الثانية : أن أهل الكتاب جميعا مدعوون إلى الدخول في دين الله ، على لسان محمد [ ص ] فإن استجابوا فقد أمنوا ، وأصبحوا على دين الله . وإن تولوا فهم كما وصفهم الله .

والحقيقة الثالثة : أنه لا ولاء ولا تناصر بينهم وبين المسلمين ، في شأن من الشئون . لأن كل شأن من شئون الحياة عند المسلم خاضع لأمر الدين .

ويبقى أن الإسلام يأمر أهله بالإحسان إلى أهل الكتاب في العشرة والسلوك ؛ وبحماية أرواحهم وأموالهم وأعراضهم في دار الإسلام ؛ وبتركهم إلى ما هم فيه من عقائدهم كائنة ما تكون ؛ وإلى دعوتهم بالحسنى إلى الإسلام ومجادلتهم بالحسنى كذلك . والوفاء لهم - ما وفوا - بعهدهم ومسالمتهم للمسلمين . . وهم - في أية حال - لا يكرهون على شيء في أمر الدين . .

هذا هو الإسلام . . في وضوحه ونصاعته . وفي بره وسماحته . .

والله يقول الحق . وهو يهدي السبيل .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ} (81)

ولما كان هذا دليلاً على كفرهم ، دل عليه بقوله : { ولو } أي فعلوا ذلك مع دعواهم الإيمان والحال أنهم لو { كانوا } أي كلهم { يؤمنون } أي يوجد منهم إيمان { بالله } أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة بكل شيء { والنبي } أي الذي له الوصلة التامة بالله ، ولذا أتبعه قوله : { وما أنزل إليه } أي من عند الله أعم من القرآن وغيره إيماناً خالصاً من غير نفاق { ما اتخذوهم } أي المشركين مجتهدين في ذلك { أولياء } لأن مخالفة الاعتقاد تمنع الوداد ، {[27280]} فمن كان منهم{[27281]} باقياً على يهوديته ظاهراً وباطناً ، فالألف في " النبي " لكشف سريرته للعهد ، أي النبي الذي ينتظرونه ويقولون : إنه غير محمد صلى الله عليه وسلم أو{[27282]} للحقيقة أي لو كانوا يؤمنون بهذه الحقيقة - أي حقيقة النبوة - ما والوهم ، فإنه لم يأت نبي إلا بتكفير المشركين - كما أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله " الأنبياء أولاد{[27283]} علات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد " كما سيأتي قريباً في حديث أبي هريرة ، يعني - والله أعلم - أن شرائعهم وإن اختلفت في الفروع فهي متفقة في الأصل وهو التوحيد ، و{[27284]} من كان منهم قد أظهر الإيمان فالمراد بالنبي في إظهار زيغه وميله وحيفه محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه نهى عن موالاة المشركين ، بل عن متاركتهم ، ولم يرض إلا بمقارعتهم ومعاركتهم .

ولما{[27285]} أفهمت الشرطية عدم إيمانهم ، استثنى منها منبهاً بوضع الفسق{[27286]} موضع عدم الإيمان{[27287]} على أنه{[27288]} الحامل عليه فقال : { ولكن كثيراً منهم فاسقون } أي متمكنون في خلق المروق من دوائر الطاعات .


[27280]:في ظ: فمنهم من كان.
[27281]:في ظ: فمنهم من كان.
[27282]:في ظ: أي.
[27283]:من ظ، وفي الأصل: أولات- كذا.
[27284]:زيد بعده في ظ: منهم.
[27285]:زيد بعده في الأصل: أفهم ذلك، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[27286]:في ظ: بالفسق.
[27287]:في ظ: عليه.
[27288]:في ظ: عليه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ} (81)

قوله : { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء } أي لو أن هؤلاء اليهود كانوا يؤمنون إيمانا حقيقيا صحيحا بالله وبنبيه موسى وما أنزل الله إليه من التوراة كما يدعون لما اتخذوا المشركين الوثنيين أولياء ، بالرغم من تحريم ذلك عليهم في التوراة ، فضلا عما حواه هذا الكتاب الكريم من ذكر لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومن تحريض لبني إسرائيل على تصديقه واتباعه . وفي ذلك أبلغ دلالة على أن مراد يهود ليس تقرير التوراة أو شريعة موسى . بل كان مرادهم تحصيل الأهواء والشهوات كالمال والرياسة وغير ذلك من زخارف الدنيا وملذاتها . فهم بذلك عتاة خارجون عن دينهم الحقيقي ، مستنكفون عما أمرهم به كتابهم التوراة ولذلك قال : { ولكن كثيرا منهم فاسقون } {[1032]} .


[1032]:- روح المعاني ج 6 ص 213، 214 وتفسير الرازي ج 12 ص 70 وتفسير القرطبي ج 6 ص 252- 254 وفتح القدير ج 2 ص 66.