هذه البقية من الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين ، ومواقفهم من الرسول [ ص ] ومن الأمة المسلمة ؛ هي طرف من الحديث الطويل الذي تضمنته السورة من قبل خلال أكثر من [ ربعين ] فقد تناولت الحديث عن فساد عقيدة اليهود والنصارى معاً ، وسوء طوية اليهود وسوء فعلهم ، سواء مع أنبيائهم من قبل أو مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونصرة المشركين عليه . . كما تناولت الحكم على عقيدة اليهود والنصارى التي انتهوا إليها بأنها " الكفر " لتركهم ما جاء في كتبهم وتكذيبهم بما جاءهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتوكيد بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم . . ثم وجه الحديث إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليبلغ ما أنزل إليه من ربه إلى الجميع مشركين ويهودا ونصارى ؛ فكلهم ليسوا على شيء من دين الله ؛ وكلهم مخاطب بالإسلام للدخول فيه . كما وجه الحديث إلى الأمة المسلمة لتتولى الله والرسول والذين آمنوا ، ولا تتولى اليهود والنصارى ، فإن بعضهم أولياء بعض ؛ واليهود يتولون الذين كفروا ؛ وقد لعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم . . . الخ . . .
فالآن تجيء هذه البقية لتقرير مواقف هذه الطوائف جميعاً من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن الأمة المسلمة . ولتقرير الجزاء الذي ينتظر الجميع في الآخرة . .
لقد كانت هذه الأمة تتلقى هذا القرآن لتقرر - وفق توجيهاته وتقريراته - خطتها وحركتها ، ولتتخذ - وفق هذه التوجيهات والتقريرات - مواقفها من الناس جميعاً . فهذا الكتاب كان هو موجهها ومحركها ورائدها ومرشدها . . ومن ثم كانت تَغلب ولا تُغلب ، لأنها تخوض معركتها مع أعدائها تحت القيادة الربانية المباشرة ؛ مذ كان نبيها يقودها وفق الإرشادات الربانية العلوية . .
وهذه الإرشادات الربانية ما تزال ؛ والتقريرات التي تضمنها ذلك الكتاب الكريم ما تزال . والذين يحملون دعوة الاسلام اليوم وغداً خليقون أن يتلقوا هذه التقريرات وتلك الإرشادات كأنهم يخاطبون بها اللحظة ؛ ليقرروا على ضوئها مواقفهم من شتى طوائف الناس ؛ ومن شتى المذاهب والمعتقدات والآراء ، ومن شتى الأوضاع والأنظمة وشتى القيم والموازين . . اليوم وغداً وإلى آخر الزمان . .
{ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا . . . }
إن صيغة العبارة تحتمل أن تكون خطاباً للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن تكون كذلك خطاباً عاما خرج مخرج العموم ، لأنه يتضمن أمرا ظاهرا مكشوفا يجده كل إنسان . وهي صيغة لها نظائرها في الأسلوب العربي الذي نزل به القرآن الكريم . . وهي في كلتا الحالتين تفيد معناها الظاهر الذي تؤديه . .
فإذا تقرر هذا فإن الأمر الذي يلفت النظر في صياغة العبارة هو تقديم اليهود على الذين أشركوا في صدد أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا ؛ وأن شدة عداوتهم ظاهرة مكشوفة وأمر مقرر يراه كل من يرى ، ويجده كل من يتأمل !
نعم إن العطف بالواو في التعبير العربي يفيد الجمع بين الأمرين ولا يفيد تعقيبا ولا ترتيبا . . ولكن تقديم اليهود هنا ، حيث يقوم الظن بأنهم أقل عداوة للذين آمنوا من المشركين - بما أنهم أصلا أهل كتاب - يجعل لهذا التقديم شأنا خاصا غير المألوف من العطف بالواو في التعبير العربي ! إنه - على الأقل - يوجه النظر إلى أن كونهم أهل كتاب لم يغير من الحقيقة الواقعة ، وهي أنهم كالذين أشركوا أشد عداوة للذين آمنوا ! ونقول : إن هذا " على الأقل " . ولا ينفي هذا احتمال أن يكون المقصود هو تقديمهم في شدة العداء على الذين أشركوا . .
وحين يستأنس الإنسان في تفسير هذا التقرير الرباني بالواقع التاريخي المشهود منذ مولد الإسلام حتى اللحظة الحاضرة ، فإنه لا يتردد في تقرير أن عداء اليهود للذين آمنوا كان دائما أشد وأقسى وأعمق إصرارا وأطول أمدا من عداء الذين أشركوا !
لقد واجه اليهود الإسلام بالعداء منذ اللحظة الأولى التي قامت فيها دولة الإسلام بالمدينة . وكادوا للأمة المسلمة منذ اليوم الأول الذي أصبحت فيه أمة . وتضمن القرآن الكريم من التقريرات والإشارات عن هذا العداء وهذا الكيد ما يكفي وحده لتصوير تلك الحرب المريرة التي شنها اليهود على الإسلام وعلى رسول الإسلام [ ص ] وعلى الأمة المسلمة في تاريخها الطويل ، والتي لم تخب لحظة واحدة قرابة أربعة عشر قرنا ، وما تزال حتى اللحظة يتسعر أوارها في أرجاء الأرض جميعا .
لقد عقد الرسول [ ص ] أول مقدمه إلى المدينة ، معاهدة تعايش مع اليهود ؛ ودعاهم إلى الإسلام الذي يصدق ما بين أيديهم من التوراة . . ولكنهم لم يفوا بهذا العهد - شأنهم في هذا كشأنهم مع كل عهد قطعوه مع ربهم أو مع أنبيائهم من قبل ، حتى قال الله فيهم : ( ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون . أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ؟ بل أكثرهم لا يؤمنون . ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون )
ولقد أضمروا العداء للإسلام والمسلمين منذ اليوم الأول الذي جمع الله فيه الأوس والخزرج على الإسلام ، فلم يعد لليهود في صفوفهم مدخل ولا مخرج ، ومنذ اليوم الذي تحددت فيه قيادة الأمة المسلمة وأمسك بزمامها محمد رسول الله [ ص ] فلم تعد لليهود فرصة للتسلط !
ولقد استخدموا كل الأسلحة والوسائل التي تفتقت عنها عبقرية المكر اليهودية ، وأفادتها من قرون السبي في بابل ، والعبودية في مصر ، والذل في الدولة الرومانية . ومع أن الإسلام قد وسعهم بعد ما ضاقت بهم الملل والنحل على مدار التاريخ ، فإنهم ردوا للإسلام جميله عليهم أقبح الكيد وألأم المكر منذ اليوم الأول .
ولقد ألبوا على الإسلام والمسلمين كل قوى الجزيرة العربية المشركة ؛ وراحوا يجمعون القبائل المتفرقةلحرب الجماعة المسلمة : ( ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) .
ولما غلبهم الاسلام بقوة الحق - يوم أن كان الناس مسلمين - استداروا يكيدون له بدس المفتريات في كتبه - لم يسلم من هذا الدس إلا كتاب الله الذي تكفل بحفظه سبحانه - ويكيدون له بالدس بين صفوف المسلمين ، وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإسلام ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمة الأقطار . ويكيدون له بتأليب خصومه عليه في انحاء الأرض . . حتى انتهى بهم المطاف أن يكونوا في العصر الأخير هم الذين يقودون المعركة مع الإسلام في كل شبر على وجه الارض ؛ وهم الذين يستخدمون الصليبية والوثنية في هذه الحرب الشاملة ، وهم الذين يقيمون الأوضاع ويصنعون الأبطال الذين يتسمون بأسماء المسلمين ، ويشنونها حربا صليبية صهيونية على كل جذر من جذور هذا الدين !
وصدق الله العظيم : ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) . .
إن الذي ألب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة ؛ وجمع بين اليهود من بني قريظة وغيرهم ؛ وبين قريش في مكة ، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة . . يهودي . .
والذي ألب العوام ، وجمع الشراذم ، وأطلق الشائعات ، في فتنة مقتل عثمان - رضي الله عنه - وما تلاها من النكبات . . يهودي . .
والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله [ ص ] وفي الروايات والسير . . يهودي . .
ثم إن الذي كان وراء إثارة النعرات القومية في دولة الخلافة الأخيرة ؛ ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل الشريعة عن الحكم واستبدال " الدستور " بها في عهد السلطان عبدالحميد ، ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي " البطل " أتاتورك . . يهودي . .
وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه يهود !
ثم لقد كان وراء النزعة المادية الإلحادية . . يهودي . . ووراء النزعة الحيوانية الجنسية يهودي . . ووراء معظم النظريات الهدامة لكل المقدسات والضوابط يهود !
ولقد كانت الحرب التي شنها اليهود على الإسلام أطول أمدا ، وأعرض مجالا ، من تلك التي شنها عليه المشركون والوثنيون - على ضراوتها - قديما وحديثا . . إن المعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاما في جملتها . . وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول . وأما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة ؛ ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونية العالمية . . [ التي تعد الماركسية مجرد فرع لها ] وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإسلام في طول الأمد وعرض المجال إلا معركة الصليبية ، التي سنتعرض لها في الفقرة التالية .
فإذا سمعنا الله - سبحانه - يقول :
( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) . .
ويقدم اليهود في النص على الذين أشركوا . . ثم راجعنا هذا الواقع التاريخي ، فإننا ندرك طرفا من حكمة الله في تقديم اليهود الذين أشركوا !
إنهم هذه الجبلة النكدة الشريرة ، التي ينغل الحقد في صدورها على الإسلام وعلى نبي الإسلام ، فيحذر الله نبيه وأهل دينه منها . . ولم يغلب هذه الجبلة النكدة الشريرة إلا الإسلام وأهله يوم أن كانوا أهله ! . . ولن يخلص العالم من هذه الجبلة النكدة إلا الإسلام يوم يفيء أهله إليه . .
( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا : إنا نصارى . ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ، وأنهم لا يستكبرون . وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ، يقولون : ربنا آمنا ، فاكتبنا مع الشاهدين . وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين . فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، وذلك جزاء المحسنين . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) . .
إن هذة الآيات تصور حالة ، وتقرر حكما في هذه الحالة . . تصور حالة فريق من أتباع عيسى - عليه السلام - : ( الذين قالوا : إنا نصارى ) . . وتقرر أنهم أقرب مودة للذين آمنوا . .
ومع أن متابعة مجموع الآيات لا تدع مجالا للشك في أنها تصور حالة معينة ، هي التي ينطبق عليها هذا التقرير المعين ، فإن الكثيرين يخطئون فهم مدلولها ، ويجعلون منها مادة للتميع المؤذي في تقدير المسلمين لموقفهم من المعسكرات المختلفة ، وموقف هذه المعسكرات منهم . . لذلك نجد من الضروري - في ظلال القرآن - أن نتابع بالدقة تصوير هذه الآيات لهذه الحالة الخاصة التي ينطبق عليها ذلك الحكم الخاص :
إن الحالة التي تصورها هذه الآيات هي حالة فئة من الناس ، قالوا : إنا نصارى . هم أقرب مودة للذين آمنوا : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) . . فمنهم من يعرفون حقيقة دين النصارى فلا يستكبرون على الحق حين يتبين لهم . .
ولما دل كالشمس ميلهُم إلى المشركين دون المؤمنين على أنهم في غاية العداوة لهم ، صرح تعالى بذلك على طريق الاستنتاج{[27289]} ، فقال دالاً على رسوخهم في الفسق : { * لتجدن أشد الناس{[27290]} } أي كلهم { عداوة للذين آمنوا } أي أظهروا الإقرار بالإيمان فكيف بالراسخين فيه { اليهود } قدمهم لأنهم أشد الفريقين لأنه لا أقبح من ضال على علم { والذين أشركوا } لما جمعهم من الاستهانة بالأنبياء{[27291]} هؤلاء جهلاً وأولئك عناداً وبغياً ، فعرف أن من صدق في إيمانه لا يواليهم بقلبه ولا بلسانه ، وأنهم ما اجتمعوا على الموالاة إلا لاجتماعهم في أشدّية{[27292]} العداوة لمن آمن ، فهذه الآية تعليل لما قبلها ، كأنه قيل : هب أنهم لا يؤمنون بالله والنبي ، وذلك لا يقتضي موادة المشركين فلِمَ{[27293]} والوهم حينئذ ؟ فقيل : لأن الفريقين اجتمعوا في أشدية العداوة للذين آمنوا .
ولما أخبر تعالى بأبعد الناس مودة لهم ، أخبر بضدهم فقال{[27294]} : { ولتجدن أقربهم } أي الناس { مودة للذين آمنوا } أي أوجدوا{[27295]} الإيمان بالقلب واللسان { الذين قالوا } و{[27296]} في التوريك{[27297]} على قولهم إشارة إلى أنهم ما كانوا على حقيقة النصرانية { إنا نصارى } أي لقلة اهتمامهم بالدنيا بمجرد قولهم ذلك ولو لم يكونوا عريقين{[27298]} في الدين وإقبالهم على علم الباطن ، ولذلك علله بقوله : { ذلك بأن منهم قسيسين } أي مقبلين على العلم ، من القس ، وهو ملامة الشيء وتتبعه { ورهباناً } أي في غاية التخلي من الدنيا ؛ ولما كان التخلي منها موجباً للبعد من الحسد ، وهو سبب لمجانبة التكبر{[27299]} قال : { وأنهم لا يستكبرون * } أي لا يطلبون الرفعة على غيرهم و{[27300]} لا يوجدونها .
قوله تعالى : { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ( 82 ) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا ءامنا فاكتبنا مع الشاهدين ( 83 ) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ( 84 ) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين ( 85 ) والذين كفروا وكذبوا بئايتنا أولئك أصحب الجحيم } .
نزلت هذه الآيات في وفد النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه ويروا صفاته فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه . وقيل : كانت عدة الوفد اثنا عشر ، سبعة قساوسة وخمسة رهابين . وقيل : خمسون . وقيل : بضع وستون . وقيل : سبعون رجلا . والله أعلم بعدتهم .
وقيل في سبب النزول إن جعفر بن أبي طالب وأصحابه قدموا من الحبشة ومعهم سبعون رجلا بعثهم النجاشي وفدا إلى رسول صلى الله عليه وسلم عليهم ثياب الصوف ، اثنان وستون من الحبشة ، وثمانية من أهل الشام فيهم بحيرا الراهب . فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة " يس " إلى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا ، وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى . فأنزل الله تعالى فيهم الآيات{[1033]} .
قوله : { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود } اللام للقسم . وعداواة تمييز منصوب . والمراد باليهود عمومهم ، سواء فيهم من كان في زمن النبوة من يهود المدينة وغيرهم من يهود الأرض في كل زمان ، استنادا إلى ظاهر الآية .
وقيل : المراد بهم يهود المدينة دون غيرهم . والراجح الأول وهو أن المراد سائر يهود : وهذه حقيقة تتكشف للناظر المتدبر في طبائع يهود وتاريخهم الحافل بالفظائع . وفي طليعة ذلك قتل الأنبياء ، لا جرم أن قتل الأنبياء أمر جلل وشنيع ومروع تهتز من هوله الأرض والسموات ، وتضطرب لسماعه المشاعر والضمائر . وغير هذه الفعلة الفظيعة قبائح شتى غاية في النكر تصم النفسية اليهودية بوصمة الشذوذ والميل عن سواء السبيل كالإفراط في حب المال والشهوات والتسلط ، والإيغال في الكيد للبشرية . والتخطيط لتدمير الأديان والقيم والأخلاق الحميدة ، والجنوح المغالي عن ربقة الحق والعدل والرحمة إلى حيث القسوة والظلم والكيد . فلا غرور بعد ذلك أن تكون يهود أشد عداوة للمؤمنين بما يكنوه للبشرية عامة ، والمسلمين خاصة ، من بالغ الكراهية والاضطغان . وبما يحيكونه لهم من أساليب ومخططات للإبادة والتخريب وتشويه الأفكار والعقائد والتصورات . وكذا القتل جهارا وغيلة . يشهد لذلك تمالؤهم على سيد الأولين والآخرين وإمام البشرية في الدنيا والآخرة ، المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وذلك في محاولات مكرورة لقتله . ومن جملة ذلك قصة الشاة المسمومة التي قدمت للنبي صلى الله عليه وسلم في خبير . فقد جاء في سيرة ابن هشام أن زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية ، وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها : الذراع . فأكثرت فيها من السم ، ثم سمت سائر الشاة ، ثم جاءت بها ، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها ، ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأما بشر فأساغها . وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ثم قال : " إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم " ثم دعا بها فاعترفت . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه ، ودخلت أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده : " يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت فيه انقطاع أبهري{[1034]} من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخبير " فكان المسلمون يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة{[1035]} .
وما فتئت يهود تكيد للإسلام بالتمالؤ عليه وتأليب الأمم والشعوب من مختلف الملل على التصدي له . وذلك بمختلف الأساليب والسبل كتشويه الصورة عن هذا الدين وأهله ليستنكف عنه الناس ويزهد فيه المسلمون . وكذلك اصطناع النظريات العلمية الموهومة في التربية والنفس والسلوك بما يفضي إلى الإباحة الجنسية وتدمير الأفراد والأسر والمجتمعات والأخلاق تماما . وكان الرائد المظفر قي ذلك بطل التخريب والإفساد بغير منازع اليهودي سيجموند فرويد الذي نجح نجاحا فاضحا مذهلا فيما أودى بشطر البشرية إلى التفسخ والانهيار والسقوط ، فضلا عن أمراض نفسية وعضوية واجتماعية أخرى تنكل بالمجتمعات الشاردة عن منهج الله تنكيلا .
وكذلك الافتراء على المسلمين بأنهم متخلفون إرهابيون وأن الإسلام لا يصح فهو دين قد مضى زمانه وقد استنفذ أغراضه ! ! والله يشهد ، وأولو العلم يشهدون أن هذا بهتان عظيم وافتراء ظلوم . فالإسلام دين السماحة والمرونة والصلاح واليسر . بل إنه دين الإخاء الإنساني الشامل القائم على العدل المطلق والرحمة الحقيقية الكاملة . ولسوف تظل البشرية في مسيرتها الطويلة الضالة تلهث لهث الحائر والمضطرب والمكروب حتى تفيء إلى منهج الله وهو الإسلام .
وأخيرا تلكم المؤامرة الكبرى التي قصمت ظهر الإسلام بفعل الكيد الذي برعت فيه يهود ، إذ نجحت في القضاء على الخلافة الإسلامية العثمانية ، والاستعاضة عن دستورها الإسلام بالنظم الرأسمالية العلمانية المناهضة لدين الله .
وكذلك المشركون يكنون العداوة والكراهية للإسلام والمسلمين . المشركون الذين يعبدون الأوثان على تعدد صورها وأشكالها ومسمياتها ، سواء الذين يعبدون النار أو الشمس والقمر ، أو المدر والحجر أو الذين يقدسون البقر ، كل ذلك في غاية الحماقة والجهالة والعمه . ثم الملحدون الماديون الذين ينكرون الإلهية . أولئك جميعا كافرون ضالون ظالمون . لقد ظلموا أنفسهم وعقولهم ، إذ جعلوها حبيسة العناد والصلف والمكابرة فباتت مشلولة شائهة لا تعي ولا تتدبر إلا ما تمليه الغريزة العمياء والطبع الخسيس { أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } .
إن هذا الصنف من الناس بعيد عن الحق . فهو بذلك يستمرئ الخطيئة والظلم والباطل ويشمئز من الخير وأهله ، لما خالط فطرته من تلويث وإفساد ومرض . فهو بالضرورة يجد نفسه مسوقا في طريق الشيطان حيث الشر والعدوان . الطريق المخالف لطريق الإسلام .
قوله : { ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى } بينا أن هذه الآية نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه وليروا صفاته . فلما سمعوا القرآن بكوا وخشعوا ورقت له قلوبهم فأعلنوا إسلامهم . وعلى هذا فإن تأويل هذه الآية يبينها سبب النزول وهو إسلام قوم من النصارى قد صفت نفوسهم وطبائعهم من الفساد والتعصب . فما أن سمعوا القرآن ووجدوه مطابقا في معانيه ومقاصده لما في الإنجيل أيقنوا أنه حق ، وأنه منزل من عند الله فأسلموا . وقد قيل : نزلت الآية في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ، فلما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم .
وبذلك فإن المراد من النصارى الذين هم أقرب الناس مودة للمسلمين هم الذين نزلت الآية في حقهم ، وكل الذين على شاكلتهم من براءة الطبع وخلوص القلب من الكراهية والشرك . أولئك الذين زعموا أنهم نصارى ومن أتباع المسيح . فلقد كان فيهم إذ ذاك مودة الإسلام والمسلمين وما ذاك إلا لما كان في قلوبهم من رقة ولين ورأفة ، لأنهم كانوا على المسيحية الصادقة السمحة . المسيحية الخالصة المبرأة من التحريف والتزييف . ولا يعقل أن ينطبق ذلك على الخلائف من النصارى الذين جاءوا فيما بعد والذين ربوا على الديانة المحرفة والأناجيل الكظيظة بالتغيير والتبديل والتي غالت في إفراط مشين في إطراء المسيح حتى نصبت منه الإله المعبود . فضلا عن النكران الظالم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . بل إن النصارى كانوا وما فتئوا يعادون الإسلام والمسلمين ويرصدون لهم كل سبيل لتدميرهم وإضعافهم وتشتيت وحدتهم وصفهم ، وإبادتهم إن استطاعوا .
إن النصارى في العصور الوسطى كانوا وما فتئوا في زماننا هذا يناصبون المسلمين العداء فيبادرونهم التقتيل والتشريد والاستئصال . لقد ساموا المسلمين في مختلف البلدان الويلات وأذاقوهم أشد ألوان التنكيل والبطش ليدمروهم تدميرا . وخطب الأندلس المذهل أعظم شاهد من شواهد الويل والثبور والمرارة على ما حاق بالمسلمين على أيدي الصليبيين الحاقدين . إلى غير ذلك من صور الاستعمار البغيض المشؤوم الذي أذاق المسلمين كؤوس العذاب والهوان والقهر ما يتجاوز كل حسبان . هؤلاء هم نصارى الأناجيل المحرفة ، من شعوب الظلم والعدوان الصارخ على المسلمين والنصارى الذين تتبرأ منهم المسيحية السمحة ويتبرأ منهم النبي الطهور عليه السلام . خلافا للفئة الطيبة المحدودة من نصارى الحبشة الذين استجابوا لنداء الحق ، خير استجابة . وذلك لما سمعوا القرآن .
قوله : { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } أي كونهم أقرب مودة للذين آمنوا بسبب أن { منهم قسيسين ورهبانا } والقسيسون هم علماء النصارى ورؤساؤهم ، ومفرد القسيسين ، قس . والرهبان جمع راهب ، من الرهبنة والرهبانية ، والترهيب بمعنى التعبد في صومعة . وأصله من الرهبة وهي المخافة . وفي الحديث " لا رهبانية في الإسلام " وأصلها من الرهبة وهي الخوف . والمراد بها التخلي عن أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها واعتزال أهلها . قوله : { وأنهم لا يستكبرون } أي وبأنهم لا يستنكفون عن الانقياد للحق إذا استمعوا إليه ووعوه .