فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ} (81)

{ ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي } لو كان هؤلاء الذي قادتهم أنفسهم إلى ما أسخط الله عليهم ، لو كانوا على إيمان بالله وتصديق بالنبي الذي أرسل إليهم موسى عليه السلام ، أو بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم { وما أنزل إليه } والذي أنزله ربنا على موسى في التوراة ، أو ما أنزله سبحانه على النبي الخاتم في القرآن ، { ما اتخذوهم } لو كانوا أصحاب يقين صادق بالحق ما اتخذوا المشركين ، ولا اليهود الغادرين أنصارا وأحبابا ، لأن الإيمان يأبى عليهم ذلك ، { ولكن كثيرا منهم فاسقون } خارجون عن الدين ، مُفِْرطون في المخادعة والنفاق ؛ - جواز لعن الكافرين وإن كانوا من أولاد الأنبياء ، وأن شرف النسب لا يمنع إطلاق اللعنة في حقهم ، . . . أخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال : { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } إلى قوله : { فاسقون } " ثم قال : " كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما لعنهم " وأخرجه الترمذي ؛ . . . . والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين ؛ فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه ؛ . . وفي الآية دليل على النهي عن مجالسة المجرمين وأمر بتركهم وهجرانهم- ( {[1846]} ) في صحيح( {[1847]} ) مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " .

وهكذا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية ، وأجل الفرائض الشرعية ، وتارك ذلك شريك للعصاة ، متعرض لسخط مولاه ؛ إن الوفاء بهذه الأمانة الدينية سبيل القوامة على البشرية ، وصدق مولانا تقدست أسماؤه وتباركت آلاؤه ، وهو القائل في محكم التنزيل : ( كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله . . ) ( {[1848]} ) ، وقال جل ثناؤه : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) ( {[1849]} ) .


[1846]:من الجامع لأحكام القرآن.
[1847]:أورد صاحب تفسير القرآن العظيم أكثر من ستة أحاديث، رواها أبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجه، لكنها أقل من درجة الصحيح.
[1848]:من سورة آل عمران. من الآية 110.
[1849]:من سورة آل عمران. الآية 104.