في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ} (166)

138

( فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ )

كان ذلك العذاب البئيس هو المسخ عن الصورة الآدمية إلى الصورة القردية ! لقد تنازلوا هم عن آدميتهم ، حين تنازلوا عن أخص خصائصها - وهو الإرادة التي تسيطر على الرغبة - وانتكسوا إلى عالم " الحيوان " حين تخلوا عن خصائص " الإنسان " . فقيل لهم أن يكونوا حيث أرادوا لأنفسهم من الانتكاس والهوان !

أما كيف صاروا قردة ؟ وكيف حدث لهم بعد أن صاروا قردة ؟ هل انقرضوا كما ينقرض كل ممسوخ يخرج عن جنسه ؟ أم تناسلوا وهم قردة ؟ . . . إلى آخر هذه المسائل التي تتعدد فيها روايات التفسير . . . فهذا كله مسكوت عنه في القرآن الكريم ؛ وليس وراءه عن رسول الله [ ص ] شيء . . فلا حاجة بنا نحن إلى الخوض فيه .

لقد جرت كلمة الله التي يجري بها الخلق والتكوين ابتداء ؛ كما يجري بها التحوير والتغيير . . كلمة " كن " .

( قلنا لهم : كونوا قردة خاسئين ) . .

فكانوا قردة مهينين . كما جرى القول الذي لا راد له ؛ ولا يعجز قائله عن شيء سبحانه !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ} (166)

ولما ذكر ما هددهم به من العذاب الشديد ، أتبعه الهلاك فقال : { فلما عتوا } أي تكبروا جلافة ويبساً عن الانتهاء { عن ما نهوا عنه } أي بعد{[33846]} الأخذ بالعذاب الشديد ، وتجاوزوا إلى الاجتراء على جميع المعاصي عناداً وتكبراً بغاية الوقاحة وعدم المبالاة ، كان مواقعتهم لذلك الذنب وإمهالهم مع الوعظ أكسبتهم ذلك وغلظت أكبادهم عن الخوف بزاجر العذاب ، من عتا يعتو عتواً - إذا {[33847]}أقبل على الآثام{[33848]} ، فهو عات ، قال عبد الحق في كتابة الواعي : وقيل إذا أقدم{[33849]} على كل أموره ، ومنه هذه الآية ، وقيل : العاتي هو المبالغ في ركوب المعاصي ، وقيل{[33850]} : المتمرد الذي لا ينفع فيه الوعظ والتنبيه ، ومنه قوله سبحانه{ فعتوا عن أمر ربهم }{[33851]} أي جاوزوا المقدار والحد في الكفر - انتهى . وحقيقته : جاوزوا الأمر إلى النهي ، أو جاوزوا الائتمار بأمره ، والمادة ترجع إلى الغلظ والشدة والصلابة { قلنا لهم } أي بما لنا من القدرة العظيمة { كونوا قردة } أي في صورة{[33852]} القردة حال كونكم{[33853]} { خاسئين* } أي صاغرين مطرودين بعيدين{[33854]} عن الرحمة كما يبعد الكلب .


[33846]:- من ظ، وفي الأصل: ابدا.
[33847]:- في ظ: قدم على الآثار.
[33848]:- في ظ: قدم على الآثار.
[33849]:- في ظ: قدم.
[33850]:-سقط من ظ.
[33851]:- سورة 51 آية 44.
[33852]:- من ظ، وفي الأصل: صور.
[33853]:- من ظ، وفي الأصل: كونهم.
[33854]:- سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ} (166)

قوله : { فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } عتوا ، استكبروا . والعاتي : المجاوز للحد في الاستكبار . والعاتي : الجبار أيضا . وقيل : العاتي هو المبالغ في ركوب المعاصي ، المتمرد الذي لا يقع منه الوعظ والتنبيه موقعا{[1560]} . والمعنى : أن هؤلاء الفاسقين المستكبرين لما تجاوزوا في معصية الله وبالغوا في الظلم والتمرد { قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } أي بعداء من الخير . نقول : خسأ الكلب وغيره ؛ أي أبعده وأذله وطرده{[1561]} ؛ أي أن الله صير هؤلاء الخاطئين العتاة قردة وخنازير بعد ما كانوا رجالا ونساء . وذلك بلاء من الله كبير ينتقم به من الذين يحدون آياته ، ويعلون في الأرض بغير الحق ، ويأبون إلا العتو والبغي والفساد في الأرض . أولئك ينتقم الله منهم بعقوبة المسخ ؛ إذ يصيرهم خلقا ممسوخا آخر بعد ما كانوا بشرا سويا كما حل بعتاة من بني إسرائيل . وذلك يدل على أن المعاصي سبب النقم ، نجانا الله من الوقوع في الخطايا والمعاصي ودفع عنا البلاء والنقم{[1562]} .


[1560]:مختار الصحاح ص 412 والمصباح المير جـ 2 ص 40.
[1561]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 233.
[1562]:تفسير الطبري جـ 9 ص 66- 69 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 257- 259 والكشاف جـ 2 ص 126.