في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} (34)

26

ولأن هذه القضية التي تبدو فرعية ، لها كل هذه الأهمية في ميزان الله وفي حساب الإسلام ، لارتباطها أولا بقضية التوحيد والشرك ؛ ولارتباطها ثانياً بصلاح فطرة الإنسان وخلقه ومجتمعه وحياته ، أو بفساد هذا كله . . فإن السياق يعقب عليها بإيقاع قوي مؤثر ؛ يوقع به عادة في مواقف العقيدة الكبيرة . . إنه يعقب بتنبيه بني آدم ، إلى أن بقاءهم في هذه الأرض محدود مرسوم ؛ وأنه إذا جاء الأجل فلا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون :

( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) .

إنها حقيقة أساسية من حقائق هذه العقيدة ، يوقع بها السياق على أوتار القلوب الغافلة - غير الذاكرة ولا الشاكرة - لتستيقظ ، فلا يغرها امتداد الحياة !

والأجل المضروب إما أجل كل جيل من الناس بالموت المعروف الذي يقطع الحياة . وإما أجل كل أمة من الأمم بمعنى الأمد المقدر لقوتها في الأرض واستخلافها . . وسواء هذا الأجل أو ذاك فإنه مرسوم لا يتقدمون عنه ولا يستأخرون .

/خ34

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} (34)

ولما تقدم أن الناس فريقان : مهتد وضال ، وتكرر ذم الضال باجترائه على الله بفعل ما منعه منه وترك ما أمره به ، وكانت العادة المستمرة للملوك أنهم لا يمهلون من تتكرر مخالفته لهم ؛ كان كأنه قيل : فلم يهلك من يخالفه ؟ فقيل وعظاً وتحذيراً : إنهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم ، ولا يفعلون شيئاً منه إلا بإرادته ، فسواء عندهم بقاؤهم وهلاكهم ، إنما يستعجل من يخاف الفوت أو يخشى الضرر ، ولهم أجل لا بد من استيفائه ، وليس ذلك خاصاً بهم بل { ولكل أمة أجل } و{[32182]}هو عطف{[32183]} على

{ فيها تحيون وفيها تموتون }[ الأعراف : 25 ] { فإذا جاء أجلهم } .

ولما كان نظرهم إلى الفسحة في الأجل ، وكان قطع رجائهم من من جملة عذابهم ، قدمه فقال : { لا يستأخرون } أي عن الأجل { ساعة } عبر بها والمراد أقل ما يمكن لأنها أقل الأوقات في الاستعمال في العرف ، ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها لا على جزائها قوله : { ولا يستقدمون* } أي على الأجل المحتوم ، لأن الذي ضربه لهم ما ضربه إلا وهو عالم بكل ما يكون من أمرهم ، لم يتجدد له علم ، لم يكن يتجدد شيء من أحوالهم ، ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله :{ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين }[ الأعراف : 24 ] وتكون الآية معلمة بأنهم سيتناسلون فيكثرون حتى يكونوا أمماً ، ولا يتعرضون جملة بل يكون لكل أمة وقت .


[32182]:- في ظ: أي.
[32183]:- زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} (34)

قوله تعالى : { ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ذلك تهديد من الله للمشركين الظالمين الذين طغوا وتجبروا والذين قرروا من الأحكام والأهواء والتصورات ما لم يأذن به الله ، والذين آذوا عباد الله المؤمنين فناصبوهم الكيد والظلم والعدوان بغير حق إلا أن يقولوا إننا مسلمون . إن هؤلاء يتهددهم الله تهديدا ويتوعدهم بالمثلات{[1392]} . والويلات وصنوف التنكيل في هذه الدنيا يوم يأتيهم الأجل وهو الموعد الموقت لإهلاكهم وتدميرهم قبل يوم القيامة . ويوم يحين موعد التدمير والإهلاك لا يزحزحه عنهم أحد . بل إن موعد تدميرهم وإهلاكهم إنما يأتي في وقته المقدور الذي كتبه الله لهم { لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } أي لا يتأخرون بالبقاء في الدنيا ساعة من ساعات اليوم وهي جزء قصير من أجزاء الليل والنهار . وكذلك فإنهم لا يتقدمون في ذلك عن الوقت الذي جعله الله لهم موعدا محددا لهلاكهم وزوالهم{[1393]} .

ذلك إعلان مرعب ومخوف يبينه الله للطغاة المجرمين الذين يحادون الله ورسله . والذين تمردوا على الله تمرد العتاة الأشقياء الجبابرة فراحوا يعيثون في الأرض الفساد ، وينكلون بالمسلمين أشد تنكل ، ويقطعون جل زمانهم في التآمر على الإسلام والمسلمين .

إن هؤلاء التعساء الطغاة من البشر قد تودعهم الله أن يحيق بهم العذاب الغليظ على اختلاف صورة وأشكاله لتحل بديارهم النوازل والمصائب والمحن قبل يوم القيامة مثلما حل بالأمم السالفة التي طغت وبغت فأخذها الله بالتدمير والهلاك . فلا يظنن بعد هذه الحقيقة واهم أو جاهل أو مغرور أن الله يعذب الظالمين في هذه الدنيا . فذلك فهم مجانب للصواب . بل إن الله للظالمين المعتادين الذين يبغون في الأرض بغير الحق بكامل المرصاد حتى إذا جاء وعد الله وحان أجل العذاب المقدر ؛ أخذ الله الطاغين والمجرمين والخائنين أخذ عزيز مقتدر .


[1392]:المثلات، جمع مثلة بالفتح والضم وهي العقوبة. انظر مختار الصحاح ص 615.
[1393]:تفسير الطبري جـ 8 ص 123 وتفسير الرازي جـ 14 ص 72.