وينتهي هذا المعنى بتقرير فضل المؤمنين المهاجرين المجاهدين ، وما ينتظرهم من رحمة ورضوان ، ومن نعيم مقيم وأجر عظيم :
( الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ، وأولئك هم الفائزون . يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ، خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ) . .
وأفعل التفضيل هنا في قوله : ( أعظم درجة عند الله ) ليس على وجهه ، فهو لا يعني أن للآخرين درجة أقل ، إنما هو التفضيل المطلق . فالآخرون ( حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ) فلا مفاضلة بينهم وبين المؤمنين المهاجرين المجاهدين في درجة ولا في نعيم .
ولما نفى عنهم المساواة من غير تصريح بأهل الترجيح ليشتد{[35899]} التشوف إلى التصريح فيكون أثبت في النفس وأوقر في القلب ، كان كأنه قيل : فمن الراجح ؟ فقال : { الذين آمنوا } أي أوقعوا هذا الفعل ، وهو إيمان المخاطب من أن يكذبوه بشيء مما يخبر به عن الله ، وقصر الفعل وهو في الأصل متعد ليفيد أنه لا إيمان غير هذا ، وإن وجد غيره فهو عدم بالنسبة إليه ، وكذا كل فعل قصر فهو على هذا المنوال ليشار به إلى أنه لعظيم نفعه لا فعل من جنسه غيره { وهاجروا وجاهدوا } .
ولما كان المحدث عنه فيما قبل المجاهد في سبيل الله ، اقتضى المقام تقديمه{[35900]} على الآلة بخلاف ما في آخر الأنفال فإن المقام اقتضى هناك تقديم المال والنفس لما تقدم من موجبه في غير آية - كما سلف بيانه ، وأيضاً ففي{[35901]} هذا الوقت كان المال قد كثر ، ومواضع الجهاد قد بعدت ، فناسب الاهتمام بالسبيل فلذا قدم { في سبيل الله } أي مخلصين له لأنه الملك الذي لا كفؤ له ، ثم أتبعه قوله : { بأموالهم وأنفسهم } فصرح بالنفس ترغيباً في المباشرة بها { أعظم درجة } أي من جهة ارتفاع الدرجة ، وهي الفضيلة المقربة إلى الله .
ولما لم يكن العبرة إلا بما عنده سبحانه ، لا{[35902]} بما عند الناس ، قال تعالى : { عند الله } أي الملك الأعظم من أهل السقاية وما معها من غير إيمان مدلول عليه بشواهده ، وإنما لم يذكر المفضل عليه ليفيد أن فضيلتهم{[35903]} على الإطلاق ، فيكون المفضل عليه من جملة المدلول عليه ، وكرر الاسم الأعظم لمزيد الترغيب لخطر المقام وصعوبة المرام ؛ وأفهم هذا أن تلك الأفعال شريفة في نفسها{[35904]} ، فمن باشرها كان على{[35905]} درجة عظيمة بالنسبة إلى من لم يباشرها ، ومن بناها على الأساس كان أعظم ؛ ثم بين ما يخص أهل حزبه فقال : { وأولئك } أي العالو الرتبة { هم } أي خاصة لا أنتم أيها المفاخرون مع الشرك { الفائزون* } أي بالخير الباقي في الدارين دون من عداهم وإن فعل من الخيرات ما{[35906]} فعل ، لأنهم ترقوا من العبدية إلى العندية .
قوله : { الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله } يفرق الله بين طائفتين ، إحداهما ، طائفة المؤمنين الذين آمنوا بوحدانية الله وخلعوا عن أنفسهم لوثة الجاهلية والوثنية ثم هاجروا بدينيهم تاركين وراءهم ديارهم وأهليهم ، قاصدين أرضا من بلاد الله يعبدون الله فيها آمنين ؛ ويدعون الناس إلى عبادة الله وحده مطمئنين كيما يكف الناس عن الوثنية والضلال والشرك . وبادروا أيضا بالجهاد في سبيل الله لإعزاز الحق وإعلاء كلمة الإسلام بأموالهم وأنفسهم ، وذلك أقصى غايات السخاء والجود . فلا ريب أن هذه الطائفة خير وأفضل من الطائفة الأخرى ، طائفة المشركين الذين يفاخرون بسقاية الحاج وسدانة البيت وهم متشبثون بالأصنام حيث السفاهة والعمه وهوان الحلوم لا جرم أن الأولين أعظم درجة ( منزلة ) من سقاة الحاج وعمار المسجد الحرام وهم مشركون . فكان الأولون هم الفائزين برضوان الله والجنة ، الناجين من عذاب الله وغضبه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.