في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (19)

هذه هي القاعدة في استحقاق عمارة بيوت الله ؛ وفي تقويم العبادات والشعائر على السواء يبينها الله للمسلمين والمشركين ، فما يجوز أن يسوى الذين كانوا يعمرون الكعبة ويسقون الحجيج في الجاهلية ، وعقيدتهم ليست خالصة لله ، ولا نصيب لهم من عمل أو جهاد ، لا يجوز أن يسوى هؤلاء - لمجرد عمارتهم للبيت وخدمتهم للحجيج - بالذين آمنوا إيمانا صحيحا وجاهدوا في سبيل الله وإعلاء كلمته :

( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ? ) . .

( لا يستوون عند الله ) .

وميزان الله هو الميزان وتقديره هو التقدير .

( والله لا يهدي القوم الظالمين ) .

المشركين الذين لا يدينون دين الحق ، ولا يخلصون عقيدتهم من الشرك ، ولو كانوا يعمرون البيت ويسقون الحجيج .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (19)

ولما بين سبحانه الصالح لذلك من غيره{[35892]} ، أنكر على من لم يفرق بين الصنفين فقال : { أجعلتم سقاية الحاج } أي مجردة عن الإيمان { وعمارة المسجد الحرام } أي كذلك كالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد{[35893]} ، وأهل السقاية والعمارة من غير إيمان في موالاتهم والكف عن معاداتهم { كمن آمن بالله } أي الحامل اعتقاد كماله على{[35894]} كل كمال { واليوم الآخر } أي الحاث خوفه على كل خير { وجاهد في سبيل الله } أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء ، فالآية على قراءة الجماعة من الاحتباك : حذف أولاً المشبه به لدلالة المشبه عليه وثانياً المشبه لدلالة المشبه به عليه ، وأما على رواية عيسي بن وردان عن{[35895]} أبي جعفر شاذاً : سقاة وعمرة - بالجمع فلا يحتاج إلى تقدير .

ولما كان كأنه قيل : كنا نظن ذلك فما حالهم ؟قال : { لا يستوون عند الله } أي الذي له الكمال كله لأن المشركين ظلموا بترك الإيمان { والله } أي{[35896]} الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه { لا يهدي القوم الظالمين* } أي الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها{[35897]} ، والكفر أعظم الظلم ، فلا توجبوا لهم الهداية ولا المساواة بالمهتدين وإن باشروا جميع أفعال المهتدين ما عدا الإيمان ، ومن فعل ذلك منكم كان ظالماً وخيف عليه{[35898]} سلب موجب الهداية .


[35892]:زيدت الواو بعده في ظ.
[35893]:في ظ: الجهل.
[35894]:زيد من ظ.
[35895]:في ظ: على.
[35896]:زيد من ظ.
[35897]:في ظ: موضعها.
[35898]:سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (19)

قوله تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين 19 الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله أولئك هم الفائزون 20 يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم 21 خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ) روي عن ابن عباس قوله : قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر : لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد ؛ لقد كنا نعمر المسجد الحرام ، ونسقي الحاج ، ونفك العاني ؛ فأنزل الله { أجعلتم سقاية الحاج } الآية{[1740]} الساقية والعمارة مصدران ، من سقى وعمر ، كالصيانة والوقاية . وثمة محذوف وتقديره ( أهل ) . أي أجعلتم أهل السقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله{[1741]} . والمراد إنكار تسبيه المشركين بالمؤمنين مع ما بينهما من فوق عظيم ؛ فالمؤمنون على التوحيد الخالص لله دون أحد سواه ، والمشركون على الشرك والجحود ، مذعنون الوثنية البلهاء ، سادرون في الضلالة العمياء . فلا يسوي بين الفريقين إلا كل مضلل مأفون ، لا جرم أن التسوية بينهما محض ظلم وزور ، ومجانية لقواعد المنطق السليم . وعلى هذا تتضمن الآية توبيخا من الله جل جلاله لأولئك المضللين الذين افتخروا بالسقاية وسدانة البيت مع شركهم وكفرانهم ، فأعلمهم الله أن الفخر إنما يكون في الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله ، وليس فيما افتخروا به من مظاهر شكلية مقرونة بالشرك { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي لا يجعل الله التوفيق والهداية لمن كان على الكفر والباطل ، مجانبا لمنهج الله ، حائدا عن التوحيد .


[1740]:أسباب النزول للنيسابوري ص 164.
[1741]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 396.