في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا} (68)

58

وهنا يستجيش السياق وجدان المخاطبين بتصوير الخطر الذي تركوه في البحر وهو يلاحقهم في البر أو وهم يعودون إليه في البحر ، ليشعروا أن الأمن والقرار لا يكونان إلا في جوار الله وحماه ، لا في البحر ولا في البر ؛ لا في الموجة الرخية والريح المواتية ولا في الملجأ الحصين والمنزل المريح :

( أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ، ثم لا تجدوا لكم وكيلا ? أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ، فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ? ) .

إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة . إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر . فكيف يأمنون ? كيف يأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بركان ، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة الله ? أو يرسل عليهم عاصفة بركانية تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار ، فتهلكهم دون أن يجدوا لهم من دون الله وكيلا يحميهم ويدفع عنهم ?

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا} (68)

ولما كان التقدير : أعرضتم بعد إذ أنجاكم فكفرتم بذلك وكان الكفر وصفاً لكم لازماً ، فتسبب عن ذلك أنكم أمنتم ، أي فعلتم بذلك فعل الآمن ، أنكر عليهم هذا الأمر لكونه من أجهل الجهل فقال تعالى : { أفأمنتم } أي أنجوتم من البحر فأمنتم بعد خروجكم منه { أن نخسف } أي بما لنا من العظمة { بكم } ودل على شدة إسراعهم بالكفر عند وصولهم إلى أول الساحل بقوله تعالى : { جانب البر } أي فنغيبكم فيه في أيّ جانب كان منه ، لأن قدرتنا على التغييب في التراب في جميع الجوانب كقدرتنا على التغييب في الماء سواء ، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب { أو } أمنتم إن غلظت أكبادكم عن تأمل مثل هذا أن { يرسل عليكم } من جهة الفوق شيئاً من أمرنا { حاصباً } أي يرمي بالحصباء ، أي بالحصى الصغار - قاله الرازي في اللوامع ، وقال الرماني : حجارة يحصب بها ، أي يرمي بها ، حصبه - إذا رماه رمياً متتابعاً - انتهى .

يرميكم ذلك الحاصب في وجوهكم أو فوق رؤوسكم رمياً يهلك مثله كما وقع لقوم لوط أنا أرسلنا عليهم حاصباً ، وقيل : الحاصب : الريح ، ولم يقل : حاصبة لأنه وصف لزمها ، ولم يكن لها ، مذكر تنتقل إليه في حال فكان بمنزلة حائض { ثم لا تجدوا } أيها الناس { لكم } وأطلق ليعم فقال تعالى : { وكيلاً * } ينجيكم من ذلك ولا من غيره كما لم تجدوا في البحر وكيلاً غيره