في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا} (70)

58

ذلك وقد كرم الله هذا المخلوق البشري على كثير من خلقه . كرمه بخلقته على تلك الهيئة ، بهذه الفطرة التي تجمع بين الطين والنفخة ، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان !

وكرمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته ؛ والتي استأهل بها الخلافة في الأرض ، يغير فيها ويبدل ، وينتج فيها وينشيء ، ويركب فيها ويحلل ، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة .

وكرمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض وإمداده بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك

وكرمه بذلك الاستقبال الفخم الذي استقبله به الوجود ، وبذلك الموكب الذي تسجد فيه الملائكة ويعلن فيه الخالق جل شانه تكريم هذا الإنسان !

وكرمه بإعلان هذا التكريم كله في كتابه المنزل من الملأ الأعلى الباقي في الأرض . . القرآن . ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ، ورزقناهم من الطيبات ، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) . .

( وحملناهم في البر والبحر ) والحمل في البر والبحر يتم بتسخير النواميس وجعلها موافقة لطبيعة الحياة الإنسانية وما ركب فيها من استعدادات ، ولو لم تكن هذه النواميس موافقة للطبيعة البشرية لما قامت الحياة الإنسانية ، وهي ضعيفة ضئيلة بالقياس إلى العوامل الطبيعية في البر والبحر . ولكن الإنسان مزود بالقدرة على الحياة فيها ، ومزود كذلك بالاستعدادات التي تمكنه من استخدامها . وكله من فضل الله .

( ورزقناهم من الطيبات ) . . والإنسان ينسى ما رزقه الله من الطيبات بطول الألفة فلا يذكر الكثير من هذه الطيبات التي رزقها إلا حين يحرمها . فعندئذ يعرف قيمة ما يستمتع به ، ولكنه سرعان ما يعود فينسى . . هذه الشمس . هذا الهواء . هذا الماء . هذه الصحة . هذه القدرة على الحركة . هذه الحواس . هذا العقل . . . هذه المطاعم والمشارب والمشاهد . . . هذا الكون الطويل العريض الذي استخلف فيه ، وفيه من الطيبات ما لا يحصيه .

( وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) . . فضلناهم بهذا الاستخلاف في ملك الأرض الطويل العريض . وبما ركب في فطرتهم من استعدادات تجعل المخلوق الإنساني فذا بين الخلائق في ملك الله . . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا} (70)

ولما قرر سبحانه بهذه الجمل ما يسر لهم من البر ، وسهل من شدائد البحر في معرض التهديد ، أتبعه أنه فعل ذلك تكريماً لهم على سائر مخلوقاته ، كما هو شأنه في القدرة على ما يريد في المفاوتة بين الأمور التي كانت متساوية عند أول خلقه لها ، ليستدلوا بذلك على سهولة الإعادة ، مشيراً إلى أنه ركب جوهر الإنسان من نفس هي أشرف النفوس بما فضلها على قوى النفس النباتية من الاغتذاء والنمو والتوليد بالحس ظاهراً وباطناً وبالحركة بالاختيار ، وخصه على سائر الحيوان بالقوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي ، ويتجلى بها نور معرفة الله ، ويشرق فيها ضوء كبريائه وتطلع على عالمي الخلق والأمر ، وتحيط بأقسام المخلوقات من الأرواح والأجسام كما هي ، فكانت بذلك النفس الإنسانية أشرف نفوس هذا العالم ، وبدنه كذلك باختصاصه باعتدال القامة وامتدادها والتناول باليد وغير ذلك ، فقال تعالى عاطفاً على ما يرشد إليه السياق من مثل أن يقال : فلقد كرمناكم بذلك من إزجاء الفلك وإنجائكم في وقت الشدائد ، أو على : ولقد فضلنا : { ولقد كرمنا } أي بعظمتنا تكريماً عظيماً { بني ءادم } أي على سائر الطين بالنمو ، وعلى سائر النامي بالحياة ، وعلى سائر الحيوان بالنطق ، فكان حذف متعلق التكريم دالاً على عمومه لجميع الخلق ، وذلك كله تقديراً للقدرة على البعث { وحملناهم في البر } على الدواب وغيرها { والبحر } على السفن وغيرها { ورزقناهم } أي رزقاً يناسب عظمتنا { من الطيبات } أي المستلذات من الثمرات والأقوات التي يأكل غيرهم من الحيوان قشّها { وفضلناهم } في أنفسهم بإحسان الشكل ، وفي صفاتهم بالعلم المنتج لسعادة الدارين ، وفي رزقنا لهم بما تقدم .

ولما حذف متعلق التكريم دلالة على التعميم ، وكان أغلب أفرادهم ضالاً ، قال لذلك : { على كثير ممن خلقنا } أي بعظمتنا التي خلقناهم بها وأكد الفعل بالمصدر إشارة إلى إعراقهم في الفضيلة فقال تعالى : { تفضيلاً * } هذا ما للمجموع ، وأما الخلص فهم أفضل الخلائق لما علمنا من معالجتهم بالإخلاص وجهادهم لأهويتهم ، لما طبعت عليه نفوسهم من النقائص ، ولما لها من الدسائس حتى امتطوا بعد رتبة الإيمان درجتي التقوى والإحسان ، وتقديم الأمر للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام توطئة لهذه الآية أدل دليل على هذا .