في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا} (60)

58

وحين ينتهي السياق من تقرير هذه القاعدة الكلية في شرط الإيمان وحد الإسلام ، وفي النظام الأساسي للأمة المسلمة ، وفي منهج تشريعها وأصوله . . يلتفت إلى الذين ينحرفون عن هذه القاعدة ؛ ثم يزعمون - بعد ذلك - أنهم مؤ

( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا . . )

ألم تر إلى هذا العجب العاجب . . قوم . . يزعمون . . الإيمان . ثم يهدمون هذا الزعم في آن ؟ ! قوم ( يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) . ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ؟ إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر ، وإلى منهج آخر ، وإلى حكم آخر . . يريدون أن يتحاكموا إلى . . الطاغوت . . الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . ولا ضابط له ولا ميزان ، مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . . ومن ثم فهو . . طاغوت . . طاغوت بادعائه خاصية من خواص الألوهية . وطاغوت بأنه لا يقف عند ميزان مضبوط أيضا ! وهم لا يفعلون هذا عن جهل ، ولا عن ظن . . إنما هم يعلمون يقينا ويعرفون تماما ، أن هذا الطاغوت محرم التحاكم إليه : ( وقد أمروا أن يكفروا به ) . . فليس في الأمر جهالة ولا ظن . بل هو العمد والقصد . ومن ثم لا يستقيم ذلك الزعم . زعم أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ! إنما هو الشيطان الذي يريد بهم الضلال الذي لا يرجى منه مآب . .

ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا . .

فهذه هي العلة الكامنة وراء إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت . وهذا هو الدافع الذي يدفعهم إلى الخروج من حد الإيمان وشرطه بإرادتهم التحاكم إلى الطاغوت ! هذا هو الدافع يكشفه لهم . لعلهم يتنبهون فيرجعوا . ويكشفه للجماعة المسلمة ، لتعرف من يحرك هؤلاء ويقف وراءهم كذلك .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا} (60)

ولما كان التقدير - كما أفهمه آخر الآية و{[21825]}أشعر به أولها بعد أن جمع الخلق على طاعته بالطريق الذي ذكره{[21826]} : فمن أبى ذلك فليس بمؤمن ، دل عليه بقوله{[21827]} معجباً{[21828]} مخاطباً لأكمل الخلق الذي عرفه الله المنافقين في لحن القول : { ألم تر } وأشار إلى بعدهم عن على حضرته{[21829]} بقوله : { إلى الذين } وإلى كذبهم ودوام نفاقهم بقوله : { يزعمون أنهم آمنوا } أي أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم{[21830]} { بما أنزل إليك } ودل على أن هذا الزاعم المنافق كان من أهل الكتاب قبل ادعاء الإسلام بقوله{[21831]} : { وما } أي ويزعمون أنهم آمنوا بما { أنزل من قبلك } أي من التوراة والإنجيل ، قال الأصبهاني : ولا يستعمل - أي{[21832]} الزعم - في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق ، يقال : زعم فلان - إذا شك فيه فلم يعرف كذبه أو صدقه ، والمراد أن هؤلاء قالوا قولاً هو عند من لا يعلم البواطن أهل لأن يشك فيه بدليل أنهم{[21833]} { يريدون أن يتحاكموا } أي هم وغرماؤكم { إلى الطاغوت } أي إلى{[21834]} الباطل المعرق في البطلان { وقد } أي والحال أنهم قد { أمروا } ممن له الأمر{[21835]} { أن يكفروا به } في كل ما أنزل من كتابك وما قبله ، ومتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين به كافرين بالله ، وهو معنى قوله{[21836]} : { ويريد الشيطان } بإرادتهم ذلك التحاكم { أن يضلهم } أي بالتحاكم إليه{[21837]} { ضلالاً بعيداً * } بحيث لا يمكنهم معه الرجوع إلى الهدى{[21838]} . وهذه الآية سبب تسمية عمر رضي الله عنه بالفاروق لضربه عنق منافق لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ذكرها الثعلبي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما{[21839]} .


[21825]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21826]:سقط من ظ.
[21827]:من ظ ومد، وفي الأصل: تعجبا.
[21828]:زيد في ظ ومد: السماء.
[21829]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21830]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21831]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21832]:سقط من ظ.
[21833]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21834]:سقط من ظ ومد.
[21835]:في ظ: الأوامر.
[21836]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21837]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21838]:زيد بعده في الأصل: الهدى، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[21839]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.