( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . ألا له الخلق والأمر . تبارك الله رب العالمين ) . .
إن عقيدة التوحيد الإسلامية ، لا تدع مجالاً لأي تصور بشري عن ذات الله سبحانه ؛ ولا عن كيفيات أفعاله . . فالله سبحانه ليس كمثله شيء . . ومن ثم لا مجال للتصور البشري لينشىء صورة عن ذات الله . فكل التصورات البشرية إنما تنشأ في حدود المحيط الذي يستخلصه العقل البشري مما حوله من أشياء . فإذا كان الله - سبحانه - ليس كمثله شيء ، توقف التصور البشري إطلاقاً عن إنشاء صورة معينة لذاته تعالى . ومتى توقف عن إنشاء صورة معينة لذاته العلية فإنه يتوقف تبعاً لذلك عن تصور كيفيات أفعاله جميعاً . ولم يبق أمامه إلا مجال تدبر آثار هذه الأفعال في الوجود من حوله . . وهذا هو مجاله . .
ومن ثم تصبح أسئلة كهذه : كيف خلق الله السماوات والأرض ؟ كيف استوى على العرش ؟ كيف هذا العرش الذي استوى عليه الله سبحانه ؟ ! . . . تصبح هذه الأسئلة وأمثالها لغوا يخالف توجيهها قاعدة الاعتقاد الإسلامي . أما الإجابة عليها فهي اللغو الأشد الذي لا يزاوله من يدرك تلك القاعدة ابتداء ! ولقد خاضت الطوائف - مع الأسف - في هذه المسائل خوضاً شديداً في تاريخ الفكر الإسلامي ، بالعدوى الوافدة على هذا الفكر من الفلسفة الإغريقية !
فأما الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض ، فهي كذلك غيب لم يشهده أحد من البشر ولا من خلق الله جميعاً : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم . . وكل ما يقال عنها لا يستند إلى أصل مستيقن .
إنها قد تكون ست مراحل . وقد تكون ستة أطوار . وقد تكون ستة أيام من أيام الله التي لاتقاس بمقاييس زماننا الناشئ من قياس حركة الأجرام - إذ لم تكن قبل الخلق هذه الأجرام التي نقيس نحن بحركتها الزمان ! . . وقد تكون شيئاً آخر . . فلا يجزم أحد ماذا يعني هذا العدد على وجه التحديد . . وكل حمل لهذا النص ومثله على " تخمينات " البشرية التي لا تتجاوز مرتبة الفرض والظن - باسم " العلم ! " - هو محاولة تحكمية ، منشؤها الهزيمة الروحية أمام " العلم " الذي لا يتجاوز في هذا المجال درجة الظنون والفروض !
ونخلص نحن من هذه المباحث التي لا تضيف شيئاً إلى هدف النص ووجهته . لنرتاد مع النصوص الجميلة تلك الرحلة الموحية في أقطار الكون المنظور ، وفي أسراره المكنونة :
( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . ألا له الخلق والأمر . تبارك الله رب العالمين ) . .
إن الله الذي خلق هذا الكون المشهود في ضخامته وفخامته . والذي استعلى على هذا الكون يدبره بأمره ويصرفه بقدره . يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً . . في هذه الدوره الدائبة : دورة الليل يطلب النهار في هذا الفلك الدوار . والذي جعل الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . . إن الله الخالق المهيمن المصرف المدبر ، هو( ربكم ) . . هو الذي يستحق أن يكون رباً لكم . يربيكم بمنهجه ، ويجمعكم بنظامه ، ويشرع لكم بإذنه ، ويقضي بينكم بحكمه . . إنه هو صاحب الخلق والأمر . . وكما أنه لا خالق معه . فكذلك لا آمر معه . . هذه هي القضية التي يستهدفها هذا الاستعراض . . قضية الألوهية والربوبية والحاكمية ، وإفراد الله سبحانه بها . . وهي قضية العبودية من البشر في شريعة حياتهم . فهذا هو الموضوع الذي يواجهه سياق السورة ممثلاً في مسائل اللباس والطعام . كما كان سياق سورة الأنعام يواجهه كذلك في مسائل الأنعام والزروع والشعائر والنذور .
ولا ينسينا الهدف العظيم الذي يستهدفه السياق القرآني بهذا الاستعراض ، أن نقف لحظات أمام روعة المشاهد وحيويتها وحركتها وإيحاءاتها العجيبة . فهي من هذه الوجهة كفء للهدف العظيم الذي تتوخاه . .
إن دورة التصور والشعور مع دورة الليل والنهار في هذا الفلك الدوار ، والليل يطلب النهار حثيثاً ، ويريده مجتهداً ! لهي دورة لا يملك الوجدان ألا يتابعها ؛ وألا يدور معها ! وألا يرقب هذا السباق الجبار بين الليل والنهار ، بقلب مرتعش ونفس لاهث ! وكله حركة وتوفز ، وكله تطلع وانتظار !
إن جمال الحركة وحيويتها و " تشخيص " الليل والنهار في سمت الشخص الواعي ذي الإرادة والقصد . . إن هذا كله مستوى من جمال التصوير والتعبير لا يرقى إليه فنّ بشري على الإطلاق !
إن الألفة التي تقتل الكون ومشاهده في الحس ؛ وتطبع النظرة إليه بطابع البلادة والغفلة . . إن هذه الألفة لتتوارى ، ليحل محلها وقع المشهد الجديد الرائع الذي يطالع الفطرة كأنما لأول وهلة ! . . إن الليل والنهار في هذا التعبير ليسا مجرد ظاهرتين طبيعيتين مكرورتين . وإنما هما حيان ذوا حس وروح وقصد واتجاه . يعاطفان البشر ويشاركانهم حركة الحياة ؛ وحركة الصراع والمنافسة والسباق التي تطبع الحياة !
كذلك هذه الشمس والقمر والنجوم . . إنها كائنات حية ذات روح ! إنها تتلقى أمر الله وتنفذه ، وتخضع له وتسير وفقه . إنها مسخرة ، تتلقى وتستجيب ، وتمضي حيث أمرت كما يمضي الأحياء في طاعة الله !
ومن هنا يهتز الضمير البشري ؛ وينساق للإستجابة ، في موكب الأحياء المستجيبة . ومن هنا هذا السلطان للقرآن الذي ليس لكلام البشر . . إنه يخاطب فطرة الإنسان بهذا السلطان المستمد من قائله - سبحانه - الخبير بمداخل القلوب وأسرار الفطر . .
ولما كان مدار القرآن على تقرير الأصول الأربع : التوحيد والنبوة والمعاد والعلم ، وطال الكلام في إخباره سبحانه عن أوامره ونواهيه وأفعاله بأوليائه وأعدائه الدالة على تمام القدرة والعلم ، وختم بأن شركاءهم تغني عنهم ، علل {[32334]}ذلك بأنه{[32335]} الرب لا غيره ، في سياق دال على الوحدانية التي هي أعظم مقاصد السورة ، كفيل بإظهار الحجج عليها ، وعلى المقصد الثاني - وهو الإعادة التي فرغ من تقرير أحوالها بالإبداء الذي تقرر في العقول أنه{[32336]} أشد من الإعادة - بأدلة متكفلة{[32337]} بتمام القدرة والعلم فقال : { إن ربكم } أي المحسن إليكم بالإيجاد من العدم وتدبير المصالح هو { الله } أي الملك الذي لا كفوء له وحده لا صنم ولا غيره ؛ ثم وصفه بما حقق ذلك فقال : { الذي خلق السماوات والأرض } أي على اتساعهما وعظمتهما .
ولما كان ربما قال الكفار : ما له إذا كان قادراً وأنت محق في رسالتك لا يعجل لنا الإتيان بتأويله ، بين أن عادته الأناة وإن كان أمره وأخذه كلمح بالبصر إذا أراده{[32338]} ، فقال : { في ستة أيام } أي في مقدارها{[32339]} ؛ ولما كان تدبير هذا الخلق أمراً باهراً لا تسعه العقول ، ولهذا كانت قريش تقول : كيف يسع الخلق إله واحد ! أشار إلى عظمته وعلو رتبته بأداة البعد فقال : { ثم استوى على العرش } أي أخذ في التدبير لما أوجده وأحدث خلقه أخذاً مستوفى مستقصى مستقلاً{[32340]} به لأن هذا شأن من يملك ملكاً ويأخذ في تدبيره وإظهار أنه لا منازع له في شيء منه وليكون{[32341]} خطاب الناس على ما ألفوه{[32342]} من ملوكهم لتستقر في عقولهم عظمته سبحانه ، وركز في فطرهم الأولى من نفي التشبيه{[32343]} منه ، ويقال : فلان جلس على سرير الملك ، وإن لم يكن هناك سرير ولا جلوس ، وكما يقال في ضد ذلك : فلان ثل عرشه ، أي ذهب عزه وانتقض ملكه وفسد أمره ، فيكون هذا كناية لا يلتفت فيه إلى أجزاء التركيب ، والألفاظ على ظواهرها كقولهم للطويل : طويل النجاد ، وللكريم : عظيم الرماد .
ولما كان سبحانه لا يشغله شأن عن شأن ، ابتدأ من التدبيربما هو آية ذلك بمشاهدته في تغطية الأرض بظلامه في آن واحد ، فقال دالاً على كمال قدرته المراد بالاستواء بأمر يشاهد كل يوم على كثرة منافعه التي جعل سبحانه بها انتظام هذا الوجود : { يغشي } أي استوى حال كونه يغشي { الليل النهار } و{[32344]}قال أبو حيان : وقرأ حميد بن قيس : يغشى الليل - بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين وضم اللام ، كذا {[32345]}قال عنه{[32346]} أبو عمرو الداني{[32347]} ، وقال أبو الفتح بن جني عن حميد بنصب الليل ورفع النهار ، وقال ابن عطية : وأبو الفتح أثبت ، و{[32348]}هذا الذي قاله{[32349]} - من أن أبا الفتح أثبت - كلام لا يصح ، إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءة ومعرفتها{[32350]} وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان{[32351]} الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءة فضلاً عن النحاة الذين ليسوا مقرئين{[32352]} ولا رووا القراءة{[32353]} عن أحد ولا روى عنهم القراءة{[32354]} أحد ، هذا مع الديانة {[32355]}الزائدة والتثبت{[32356]} في النقل وعدم التجاسر{[32357]} ووفور الحظ من العربية ، فقد رأيت له كتاباً في كلا وكتاباً في إدغام أبي عمرو الكبير دلاً على اطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النحاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه ، والذي نقله أبو عمرو الداني عن حميد أمكن من حيث المعنى ، لأن ذلك موافق لقراءة الجماعة إذ { الليّل } في قراءتهم - وإن كان منصوباً- هو الفاعل من حيث المعنى إذ همزة النقل أو{[32358]} التضعيف صيره مفعولاً ، ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً من حيث المعنى ، لأن المنصوبين تعدى إليهما الفعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى ، فيلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في : ملكت زيداً عمراً ، إذ رتبة التقديم هي الموضحة أنه الفاعل من حيث المعنى كما لزم ذلك{[32359]} في ضرب موسى عيسى - انتهى .
ولما أخبر سبحانه أن الليل يغطي النهار ، دل على أن النهار كذلك بقوله مبيناً لحال الليل { يطلبه } أي الليل يجر{[32360]} ويطلب{[32361]} النهار دائماً طلباً { حثيثاً } أي سريعاً جداً لتغطية{[32362]} الليل ، وذلك لأن الشيء لا يكون مطلوباً إلا بعد وجوده ، وإذا وجد النهار كان مغطياً لليل{[32363]} ، لأنهما ضدان ، وجود أحدهما ماح لوجود الآخر ، وابتدأ سبحانه بذكر الليل لأن إغشاءه أول كائن بعد تكمل الخلق ، وحركتهما بواسطة حركة العرش ، ولذا ربطهما به ، وهي أشد الحركات سرعة وأكملها شدة ، وللشمس نوعان من الحركة : أحدهما بحسب ذاتها تتم بقطع الدرج كلها في جميع الفلك ، وبسببه تحصل السنة ، والثاني بحسب حركة الفلك الأعظم تتم{[32364]} في اليوم بليلته ، والليل والنهار إنما يحصلان {[32365]}بسبب{[32366]} حركة السماء الأقصى الذي يقال له{[32367]} العرش لا بسبب حركة النيرين ، وأجاز ابن جني أن يكون { يطلبه } حالاً من النهار في قراءة الجماعة وإن كان مفعولاً ، أي حال كون النهار يطلب الليل حثيثاً ليغطيه{[32368]} ، وأن يكون حالاً منهما معاً لأن كلاًّ منهما طالب للآخر ، {[32369]}وبهذا ينتظم ما قاله في قراءة حميد ، فإن كلاً منهما يكون غاشياً للآخر{[32370]} ، قال في كتابه المحتسب في القراءات الشواذ : ووجه صحة القراءتين و{[32371]}التقاء معنييهما أن الليل والنهار يتعاقبان ، وكل واحد منهما{[32372]} وإن أزال صاحبه فإن صاحبه أيضاً مزيل له ، وكل واحد منهما على هذا فاعل وإن كان مفعولاً ومفعول وإن كان فاعلاً ، على{[32373]} أن الظاهر في الاستحثاث هنا إنما هو النهار لأنه بسفوره وشروقه أظهر أثراً في الاستحثاث من الليل .
ولما ذكر الملوين ، أتبعهما آية كل فقال : { والشمس والقمر والنجوم } أي {[32374]}خلقها ، أو{[32375]} يغشى كل قبيل منهما{[32376]} ما الآخر آيته حال كون الكل { مسخرات } أي للسير وغيره { بأمره } وهو إرداته وكلامه ، تقودها الملائكة كما{[32377]} روي أن لله ملائكة يجرون الشمس والقمر .
ولما صح{[32378]} أن جميع ما نراه{[32379]} من الذوات خلقه ، وما نعلمه من المعاني أمره ، أنتج قطعاً قوله { ألا له } أي وحده ، وقدم المسبب على السبب ترقية - كما هو مقتضى الحكم - من المحسوس إلى المعقول فقال{[32380]} : { الخلق } وهو ما كان من الإيجاد بتسبيب وتنمية وتطوير قال الرازي : فكل ما كان جسماً أو جسمانياً كان مخصوصاً بمقدار معين فكان من عالم الخلق ، فعالم الخلق بتسخيره ، وعالم الأمر بتدبيره ، واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقديره{[32381]} { والأمر } وهو ما كان من ذلك إخراجاً من العدم من غير تسبب كالروح ، وما كان حفظاً وتدبيراً بالكلام كالأديان وكل ما يلاحظ القيومية ؛ وقال الرازي : كل ما كان بريئاً من الحجم والمقدار كان من عالم الأمر ، وعد الملائكة من عالم الأمر ، فأتنج {[32382]}ذلك قطعاً{[32383]} قوله على سبيل المدح الذي ينقطع دونه الأعناق ويتقاصر دون عليائه ذرى الآفاق : { تبارك } أي ثبت ثبوتاً لا ثبوت في الحقيقة غيره مع اليمن والبركة وكثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة { الله } أي ذو الجلال والإكرام{[32384]} .
ولما دل على أنه يستحق هذا الثناء لذاته ، دل على أنه يستحقه لصفاته فقال : { رب العالمين* } أي مبدع ذلك كله ومربيه{[32385]} خلقاً وتصريفاً بأمره ، و{[32386]}في الجزء السادس من فوائد المخلص عن سفيان بن عيينة أنه قال : ما يقول هذه الدويبة - يعني بشراً المريسي ؟ قالوا : يا أبا محمد ! يزعم أن القرآن مخلوق ، فقال : كذب ، قال الله عزّ وجلّ { ألا له الخلق والأمر } فالخلق خلق الله ، والأمر القرآن - انتهى . وهذا الذي فسر به مما تحتمله الآية بأن يكون الأمر هو المراد بقوله { بأمره }{[32387]} وهو الإرادة والكلام مع احتمال ما قدمته .