في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (54)

44

هؤلاء الذين أسلموا لله من قبل ، ثم صدقوا بالقرآن بمجرد سماعه :

أؤلئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا . .

الصبر على الإسلام الخالص . إسلام القلب والوجه . ومغالبة الهوى والشهوة . والاستقامة على الدين في الأولى والآخرة . أولئك يؤتون أجرهم مرتين ، جزاء على ذلك الصبر ، وهو عسير على النفوس ، وأعسر الصبر ما كان على الهوى والشهوة والالتواء والانحراف . وهؤلاء صبروا عليها جميعا ، وصبروا على السخرية والإيذاء كما سبقت الرواية ، وكما يقع دائما للمستقيمين على دينهم في المجتمعات المنحرفة الضالة الجاهلة في كل زمان ومكان :

ويدرأون بالحسنة السيئة . .

وهذا هو الصبر كذلك . وهو أشد مؤنة من مجرد الصبر على الإيذاء والسخرية . إنه الاستعلاء على كبرياء النفس ، ورغبتها في دفع السخرية ، ورد الأذى ، والشفاء من الغيظ ، والبرد بالانتقام ! ثم درجة أخرى بعد ذلك كله . درجة السماحة الراضية . التي ترد القبيح بالجميل وتقابل الجاهل الساخر بالطمأنينة والهدوء وبالرحمة والإحسان ؛ وهو أفق من العظمة لا يبلغه إلا المؤمنون الذين يعاملون الله فيرضاهم ويرضونه ، فيلقون ما يلقون من الناس راضين مطمئنين .

( ومما رزقناهم ينفقون ) . .

وكأنما أراد أن يذكر سماحة نفوسهم بالمال ، عقب ذكره لسماحة نفوسهم بالإحسان . فهما من منبع واحد : منبع الاستعلاء على شهوة النفس ، والاعتزاز بما هو أكبر من قيم الأرض . الأولى في النفس ، والثانية في المال . وكثيرا ما يردان متلازمين في القرآن .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (54)

{ أولئك يؤتون أجرهم مرتين } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل كانت له أمة فأعتقها وتزوجها ) .

{ بما صبروا } : يعني صبرهم على إذاية قومهم لهم لما أسلموا أو غير ذلك من أنواع الصبر .

{ ويدرؤون بالحسنة السيئة } أي : يدفعون ، ويحتمل أن يريد بالسيئة ما يقال لهم من الكلام القبيح ، وبالحسنة ما يجاوبون به من الكلام الحسن ، أو يريد سيئات أعمالهم وحسناتها كقوله : { إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود :114 ] .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (54)

لا جرم كانت النتيجة : { أولئك } أي العالو الرتبة { يؤتون } بناه للمفعول لأن القصد الإيتاء ، والمؤتى معروف { أجرهم مرتين } لإيمانهم به غيباً وشهادة ، أو بالكتاب الأول ثم الكتاب الثاني { بما صبروا } على ما كان من الإيمان قبل العيان ، بعدما هزهم إلى النزوع عنه إلف دينهم الذي كان ، وغير ذلك من امتحان الملك الديان .

ولما كان الصبر لا يتم إلا بالاتصاف بالمحاسن والانخلاع من المساوىء ، قال عاطفاً على { يؤمنون } مشيراً إلى تجديد هذه الأفعال كل حين : { ويدرءون بالحسنة } من الأقوال والأفعال { السيئة } أي من ذلك كله فيمحونها بها .

ولما كان بعض هذا الدرء لا يتم إلا بالجود قال : { ومما رزقناهم } أي بعظمتنا ، لا بحول منهم ولا قوة ، قليلاً كان أو كثيراً { ينفقون* } معتمدين في الخلف على الذي رزقه ؛ قال البغوي : قال سعيد بن جبير : قدم مع جعفر رضي الله تعالى عنه من الحبشة أربعون رجلاً ، يعني : فأسلموا ، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في أموالهم ، فأتوا بها فواسوا بها المسلمين .