ولكن . فيم كانت هذه الوسيلة ، والله قادر على أن يحيي الموتى بلا وسيلة ؟ ثم ما مناسبة البقرة المذبوحة مع القتيل المبعوث ؟
إن البقر يذبح قربانا كما كانت عادة بني إسرائيل . . وبضعة من جسد ذبيح ترد بها الحياة إلى جسد قتيل . وما في هذه البضعة حياة ولا قدرة على الأحياء . . إنما هي مجرد وسيلة ظاهرة تكشف لهم عن قدرة الله ، التي لا يعرف البشر كيف تعمل . فهم يشاهدون آثارها ولا يدركون كنهها ولا طريقتها في العمل و : ( كذلك يحيي الله الموتى ) . . كذلك بمثل هذا الذي ترونه واقعا ولا تدرون كيف وقع ؛ وبمثل هذا اليسر الذي لا مشقة فيه ولا عسر .
إن المسافة بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة مسافة هائلة تدير الرؤوس . ولكنها في حساب القدرة الإلهية أمر يسير . . كيف ؟ . . هذا ما لا أحد يدريه . وما لا يمكن لأحد إدراكه . . إن إدراك الماهية والكيفية هنا سر من أسرار الألوهية ، لا سبيل إليه في عالم الفانين ! وإن يكن في طوق العقل البشري إدراك دلالته والاتعاظ بها : ( ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) . .
فقلنا على لسان موسى : اضربوا القتيل بجزء من هذه البقرة ، فلما فعلتم ، أحيى الله القتيل ، وذكر اسم قاتله ، ثم سقط ميتا . . وتلك معجزة من الله لنبيه موسى ، والله على كل شيء قدير .
جميع المفسرين مجمعون على أن ضرب القتيل كان بجزء من البقرة ، وإن اختلفوا في تعيين ذلك الجزء . ومعرفة هذا الجزء لا تنقص ، ولا تزيد في قدر المعجزة ، وإنما هي علم لا يفيد أحدا .
وقد خالف المرحوم عبد الوهاب النجار في تفسير «اضربوه ببعضها » في كتابه قصص الأنبياء ص 259-262 وقال : المراد : بعض أجزاء القتيل ، يعني أن يضرب المتهم بجزء من جسم القتيل ، هذا ما نفهم من كلامه ، وهو يقول : إن قصة ذبح البقرة منفصلة عن قصة القتل ، وكل واحدة على حدة . أما المراد بذبح البقرة ، فهو أن بني إسرائيل كانوا مع المصريين الذين يقدسون البقر ، وكانت فيهم بقية من هذا التقديس ، بدليل أنهم عبدوا تمثال العجل ، فكان لا بد لاقتلاع هذه البقية من نفوسهم ، تكليفهم ذبح البقرة ، فكان لذلك الأمرُ بالذبح ، وكان لذلك المجادلة والتلكؤ منهم ، فذبحوها وما كادوا يقومون بالذبح .
والرأي هنا أقرب إلى التعليل المنطقي ، لا مجرد التفسير .
ويريكم آياته وهي الإحياء وما اشتمل عليه من الأمور البديعة من ترتيب الحياة على الضرب بعضو ميت ، وإخبارُ الميت بقاتله ، مما ترتب عليه الفصل في الخصومة وإزالة أسباب الفتن والعداوة ، لعلكم تفقهون أسباب الشريعة وفائدة الخضوع لها .
وقال{[3152]} {[3153]}منبهاً بالالتفات إلى أسلوب العظمة على ما في الفعل المأمور به منها{[3154]} { فقلنا } أي{[3155]} بما لنا من العظمة ، { اضربوه }{[3156]} {[3157]}وأضمر ذكر البقرة ولم يظهر دلالة على اتحاد هذا الشق الأول من القصة الذي جعل ثانياً بالشق الذي قبله في أنهما قصة واحدة فقال{[3158]} { ببعضها } .
قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة : قلنا اضربوا المقتول ببعض البقرة فضربوه به فحيي ، {[3159]}يعني والدليل على هذا المحذوف قوله{[3160]} { كذلك } {[3161]}أي مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة{[3162]} { يحيي الله } {[3163]}أي الذي له صفات الكمال{[3164]} { الموتى } مثل هذا الإحياء الذي{[3165]} عوين وشوهد - انتهى . {[3166]}
روي أنهم لما ضربوه قام وقال : قتلني فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً فأخدا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك{[3167]} ؛ وهذه الخارقة كما أَخْبَرَ نَبِيَّنا صلى الله عليه وسلم ذراعُ الشاة المسمومة بأنه مسموم لما سمته اليهودية التي كانت في قومها هذه الآية ، وجعل هذا التنبيه على البعث في قصصهم ، لأنه من أعظم الأدلة عليه ، وقد وقع منهم ما ساغ معه عدهم منكرين وهو قولهم للمشركين : دينكم خير من دين محمد ، أو{[3168]} أن هذا{[3169]} تنبيه مقصود به حث العرب على سؤال من استنصحوهم في السؤال عن النبي صلى الله عليه وسلم لكونهم أهل العلم الأول ، فهو ملزِم لهم باعتقاد البعث أو اعتقاد كذب اليهود ، وعبر بالاسم العلم لأن الإحياء من أخص الآيات بصفة الإلهية كما أن الإرزاق أخص الآيات بالربوبية{[3170]} { ويريكم آياته } فيما يشهد بصحته { لعلكم تعقلون * } {[3171]}أي لتكونوا برؤية تلك الآيات الشاهدة له على رجاء من أن يحصل لكم عقل فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره مما تخبر به الرسل عن الله تعالى .