في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ} (9)

1

وبمناسبة استعجال العذاب يجول السياق جولة في نفس هذا المخلوق الإنساني العجيب ، الذي لا يثبت ولا يستقيم إلا بالإيمان :

( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور ، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن : ذهب السيئات عني ، إنه لفرح فخور . إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ، أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) . .

إنها صورة صادقة لهذا الإنسان العجول القاصر ، الذي يعيش في لحظته الحاضرة ، ويطغى عليه ما يلابسه ؛ فلا يتذكر ما مضى ولا يفكر فيما يلي . فهو يؤوس من الخير ، كفور بالنعمة بمجرد أن تنزع منه . مع أنها كانت هبة من الله له .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ} (9)

قوله تعالى : " ولئن أذقنا الإنسان " الإنسان اسم شائع{[8617]} للجنس في جميع الكفار . ويقال : إن الإنسان هنا الوليد بن المغيرة وفيه نزلت . وقيل : في عبد الله بن أبي أمية المخزومي . " رحمة " أي نعمة . " ثم نزعناها منه " أي سلبناه إياها . " إنه ليؤوس " أي يائس من الرحمة . " كفور " للنعم جاحد لها ، قاله ابن الأعرابي . النحاس : " ليؤوس " من يَئِس يَيْأس ، وحكى سيبويه يَئِس يَيْئِس على فعل يفعل ، ونظيره حَسِب يحسِب ونعِم ينعِم ، ويأس ييئس{[8618]} ، وبعضهم يقول : يئس ييئس ، ولا يعرف في الكلام [ العربي ]{[8619]} إلا هذه الأربعة الأحرف من السالم جاءت . على فعِل يفعِل ، وفي واحد منها اختلاف . وهو يئس و " يؤوس " على التكثير كفخور للمبالغة .


[8617]:في ع: جامع.
[8618]:كذا في الأصول. ولعل الصواب: يبس ييبس: بالموحدة بعد الياء. وهو الحرف الرابع.
[8619]:من ع.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ} (9)

ولما كان قولهم ذلك ناشئاً عن طبع الإنسان على الوقوف مع الحالة الراهنة والعمى عن الاستضاءة بنور العقل فيما يزيلها في العاقبة ، بين ذلك ليعلم أن طبعه مناف لما تضمنه مقصود السورة من الإحكام الذي هو ثمرة العلم . وبعلم ذلك يعلم مقدار نعمته على من حفظه على ما فطره عليه من أحسن تقويم{[38879]} بقوله مؤكداً لأن كل أحد ينكر أن يكون طبعه كذلك : { ولئن أذقنا } أي بما لنا من العظمة { الإنسان } أي هذا النوع المستأنس بنفسه ؛ ولما كان من أقبح الخلال استملاك المستعار . وكانت النعم عواري من الله يمنحها من شاء من عباده ، قدم الصلة دليلاً على العارية فقال : { منا رحمة } أي نعمة عظيمة فضلاً منا عليه لا بحوله ولا بقوته من جهة لا يرجوها بما دلت عليه أداة الشك{[38880]} ومكناه من التلذذ بها تمكين{[38881]} الذائق من المذوق { ثم نزعناها } أي بما لنا من العظمة وإن كره ذلك { منه } أخذاً لحقنا { إنه ليؤس } أي شديد اليأس من أن يعود له مثلها { كفور* } أي عظيم الستر لما سلفه له من الإكرام لأن شأنه ذلك وخلقه إلا من رحم ربك


[38879]:زيد من ظ.
[38880]:زيد من ظ.
[38881]:من ظ، وفي الأصل: ليكن.