في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} (26)

25

ثم يرجع إلى نشأة هذا البيت الحرام ، الذي يستبد به المشركون ، يعبدون فيه الأصنام ، ويمنعون منه الموحدين بالله ، المتطهرين من الشرك . . يرجع إلى نشأته على يد إبراهيم - عليه السلام - بتوجيه ربه وإرشاده . ويرجع إلى القاعدة التي أقيم عليها وهي قاعدة التوحيد . وإلى الغرض من إقامته وهو عبادة الله الواحد ، وتخصيصه للطائفين به والقائمين لله فيه :

( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا ، وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود . وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ، ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق . . )

فللتوحيد أقيم هذا البيت منذ أول لحظة . عرف الله مكانه لإبراهيم - عليه السلام - وملكه أمره ليقيمه على هذا الأساس : ألا تشرك بي شيئا فهو بيت الله وحده دون سواه . وليطهره به من الحجيج ، والقائمين فيه للصلاة : ( وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود )فهؤلاء هم الذين أنشى ء البيت لهم ، لا لمن يشركون بالله ، ويتوجهون بالعبادة إلى سواه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} (26)

فيه مسألتان :

الأولى- قوله تعالى : " وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت " أي واذكر إذ بوأنا لإبراهيم ، يقال : بوأته منزلا وبوأت له . كما يقال : مكنتك ومكنت لك ، فاللام في قوله : " لإبراهيم " صلة للتأكيد ، كقوله : " ردف لكم " {[11477]} [ النمل : 72 ] ، وهذا قول الفراء . وقيل : " بوأنا لإبراهيم مكان البيت " أي أريناه أصله ليبنيه ، وكان قد درس بالطوفان وغيره ، فلما جاءت مدة إبراهيم عليه السلام أمره الله ببنيانه ، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثرا ، فبعث الله ريحا فكشفت عن أساس آدم عليه السلام ، فرتب قواعده عليه ، حسبما تقدم بيانه في " البقرة " {[11478]} . وقيل : " بوأنا " نازلة منزلة فعل يتعدى باللام ، كنحو جعلنا ، أي جعلنا لإبراهيم مكان البيت مبوأ . وقال الشاعر :

كم من أخٍ لي ماجد *** بوّأته بيديّ لَحْدًا{[11479]}

الثانية- " أن لا تشرك " هي مخاطبة لإبراهيم عليه السلام في قول الجمهور . وقرأ عكرمة " أن لا يشرك " بالياء ، على نقل معنى القول الذي قيل له . قال أبو حاتم : ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة ، بمعنى لئلا يشرك . وقيل : إن " أن " مخففة من الثقيلة . وقيل مفسرة . وقيل زائدة ، مثل " فلما أن جاء البشير " {[11480]}[ يوسف : 96 ] . وفي الآية طعن على من أشرك من قطان البيت ، أي هذا كان الشرط على أبيكم ممن بعده وأنتم ، فلم تفوا بل أشركتم . وقالت فرقة : الخطاب من قول " أن لا تشرك " لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج . والجمهور على أن ذلك لإبراهيم ، وهو الأصح . وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء . وقيل : عنى به التطهير عن الأوثان ، كما قال تعالى : " فاجتنبوا الرجس من الأوثان " [ الحج : 30 ] ، وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم عليه السلام . وقيل : المعنى نزه بيتي عن أن يعبد فيه صنم . وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه . وقد مضى ما للعلماء في تنزيه المسجد الحرام وغيره من المساجد بما فيه كفاية في سورة " التوبة " {[11481]} . والقائمون هم المصلون . وذكر تعالى من أركان الصلاة أعظمها ، وهو القيام والركوع والسجود .


[11477]:راجع ج 13 ص 230.
[11478]:راجع ج 2 ص 122.
[11479]:البيت من قصيدة لعمرو بن معد يكرب الزبيدي.
[11480]:راجع ج 9 ص 259.
[11481]:راجع ج 8 ص 104 وص 69.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} (26)

ولما ذكر الفريقين وجزاء كل وختمه بذكر البيت ، أتبعه التذكير به وبحجه ، لما فيه من التذكير بالقيامة الحاملة على التقوى التي هي مقصد السورة ، بما فيه من الوفادة على الله ، مع التجرد من المخيط ، والخضوع للرب ، والاجتماع في المشاعر موقفاً في أثر موقف ، ولما فيه من الحث على التسنن بأبيهم الأعظم إبراهيم عليه السلام فقال ، مقرعاً وموبخاً لمن أشرك في نفعه " أسست على التوحيد من أول يوم " عطفاً على قوله أول السورة { اتقوا } { وإذ } أي واذكروا إذ { بوأنا } بما لنا من العظمة ، ولما لم يجعله سبحانه سكنه بنفسه ، قصر الفعل عن التعدية إلى مفعوله الأول فقال : { لإبراهيم } أي قدرنا له { مكان البيت } أي الكعبة وجعلناه له مباءة ، أي منزلاً يبوء إليه أي يرجع ، لأنه - لما نودعه فيه من اللطائف - أهل لأن يرجع إليه من فارقه ويحن إليه ، ويشتاق من باعده وينقطع إليه بعض ذريته ، من المباءة بمعنى المنزل ، وبوأه إياه وبوأه له ، أي أنزله ، قال في ترتيب المحكم : وقيل : هيأته ومكنت له فيه . ويدل على أن إبراهيم عليه السلام أول بان للبيت ما في الصحيح " عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ! أي مسجد وضع أول ؟ قال :المسجد الحرام ، قلت : ثم أيّ ؟ قال : بيت المقدس ، قلت : كم بينهما ؟ قال : أربعون سنة " ولما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام نبياً ، كان من المعلوم أن نبوته له لأجل العبادة ، فكان المعنى : قلنا له : أنزل أهلك هاهنا وتردد إلى هذا المكان للعبادة ، فذلك فسره بقوله : { أن لا تشرك بي شيئاً } فابتدأ بأسّ العبادة ورأسها ، وعطف على النهي قوله : { وطهر بيتي } عن كل ما لا يليق به من قذر حسي ومعنوي من شرك ووثن وطواف عريان به ، كما كانت العرب تفعل { للطائفين } به .

ولما تقدم العكوف فاستغنى عن إعادته ، قال : { والقائمين } أي حوله تعظيماً لي كما يفعل حول عرشي ، أو في الصلاة ، ولأن العكوف بالقيام أقرب إلى مقصود السورة . { والركع } ولما كان كل من الطواف والقيام عبادة برأسه ، ولم يكن الركوع والسجود كذلك ، عطف ذاك ، واتبع هذا لما بينهما من كمال الاتصال ، إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر في الصلاة فقال : { السجود* } أي المصلين صلاة أهل الإسلام الأكمل