في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا} (74)

ويعقب السياق على قولة الكفار التياهين ، المتباهين بما هم فيه من مقام وزينة بلمسة وجدانية ترجع القلب إلى مصارع الغابرين ، على ما كانوا فيه من مقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين :

وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا . .

فلم ينفعهم أثاثهم ورياشهم وزينتهم ومظهرهم . ولم يعصمهم شيء من الله حين كتب عليهم الهلاك .

ألا إن هذا الإنسان لينسى . ولو تذكر وتفكر ما أخذه الغرور بمظهر ؛ ومصارع الغابرين من حوله تلفته بعنف وتنذره وتحذره ، وهو سادر فيما هو فيه ، غافل عما ينتظره مما لقيه من كانوا قبله وكانوا أشد قوة وأكثر أموالا وأولادا .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا} (74)

قوله تعالى : " وكم أهلكنا قبلهم من قرن " أي من أمة وجماعة . " هم أحسن أثاثا ورئيا

أي متاعا كثيرا ، قال{[10931]} :

وفرعٍ يزين المَتْنَ أسودَ فاحِمٍ*** أثيثٍ كقنوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ

والأثاث متاع البيت . وقيل : هو ما جد من الفرش ، والخُرْثيّ ما لبس منها ، وأنشد الحسن بن علي الطوسي فقال :

تقادم العهد من أم الوليد بنا*** دهرا وصار أثاث البيت خُرْثِيّا

وقال ابن عباس : هيئة . مقاتل : ثيابا " ورئيا " أي منظرا حسنا . وفيه خمس قراءات قرأ أهل المدينة " وريا " بغير همز . وقرأ أهل الكوفة " ورئيا " بالهمز . وحكى يعقوب أن طلحة قرأ " وريا " بياء واحدة مخففة . وروى سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس{[10932]} " هم أحسن أثاثا وزيا " بالزاي ، فهذه أربع قراءات ، قال أبو إسحاق : ويجوز " هم أحسن أثاثا وريئا " بياء بعدها همزة . النحاس : وقراءة أهل المدينة في هذا حسنة . وفيها تقريران : أحدهما : أن تكون من رأيت ثم خففت الهمزة ، فأبدل منها ياء وأدغمت الياء في الياء . وكان هذا حسنا لتتفق رؤوس الآيات ؛ لأنها غير مهموزات . وعلى هذا قال ابن عباس : ( الرئي المنظر ) فالمعنى : هم أحسن أثاثا ولباسا . والوجه الثاني : أن جلودهم مرتوية من النعمة ، فلا يجوز الهمز على هذا . وفي رواية ورش عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر " ورئيا " بالهمز تكون على الوجه الأول . وهي قراءة أهل الكوفة وأبي عمرو من رأيت على الأصل . وقراءة طلحة بن مصرف ( وريا ) بياء واحدة مخففة أحسبها غلطا . وقد زعم بعض النحويين أنه كان أصلها الهمز ، فقلبت الهمزة ياء ، ثم حذفت إحدى اليائين . المهدوي : ويجوز أن يكون " ريئا " فقلبت ياء فصارت رييا ثم نقلت حركة الهمزة على الياء وحذفت . وقد قرأ بعضهم " وريا " على القلب وهي القراءة الخامسة . وحكى سيبويه راء بمعنى رأى . الجوهري : من همزه جعله من المنظر من رأيت ، وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي فقال :

أشاقتك الظعائنُ يوم بانوا *** بذي الرِّئِيِّ الجميلِ من الأثاث

ومن لم يهمز إما أن يكون على تخفيف الهمزة أو يكون من رويت ألوانهم وجلودهم ريا ، أي امتلأت وحسنت . وأما قراءة ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والأعسم المكي{[10933]} ويزيد البربري " وزيا " بالزاي فهو الهيئة والحسن . ويجوز أن يكون من زويت أي جمعت ، فيكون أصلها زيا فقلبت الواو ياء . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( زويت لي الأرض ) أي جمعت ، أي فلم يغن ذلك عنهم شيئا من عذاب الله تعالى ، فليعش هؤلاء ما شاؤوا فمصيرهم إلى الموت والعذاب وإن عمروا ، أو العذاب العاجل يأخذهم الله تعالى به .


[10931]:هو امرؤ القيس. والفرع: الشعر التام. والمتن ما عن يمين الصلب وشماله من العصب واللحم. والفاحم الشديد السواد. وأثيث: كثير أصل النبات. والقنو: العذق وهو الشمراخ. والمتعثكل الذي قد دخل بعضه في بعض أكثرته. وقيل: المتدلى.
[10932]:الذي في الشواذ لسعيد بن جبير.
[10933]:في التهذيب: الكوفي.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا} (74)

{ وكم أهلكنا قبلهم من قرن } : { كم } مفعول ب { أهلكنا } ، ومعنى الآية : رد على الكفار في قولهم المذكور أي : ليس حسن الحال في الدنيا دليلا على الكرامة عند الله ، لأن الله قد أهلك من كان أحسن حالا منكم في الدنيا .

{ هم أحسن } قال الزمخشري : هذه الجملة في موضع نصب صفة ل{ كم } .

{ أثاثا } أي : متاع البيت ، وقال ابن عطية : هو اسم عام في المال العين والعروض والحيوان ، وهو اسم جمع ، وقيل : هو جمع ، واحده أثاثة .

{ ورئيا } بهمزة ساكنة قبل الياء ، معناه : منظر حسن ، وهو من الرؤية ، والرئي اسم المرئي ، وقرئ بتشديد الياء من غير همز ، وهو تخفيف من الهمز ، فالمعنى متفق ، وقيل : هو من ري الشارب أي : التنعم بالمشارب والمآكل ، وقرأ ابن عباس : زيا بالزاي .