فإذا تمثلوا أن ذلك الشر العظيم كان وشيكا أن يصيبهم جميعا ، لولا فضل الله ورحمته ، صور لهم عملهم بأنه اتباع لخطوات الشيطان . وما كان لهم أن يتبعوا خطوات عدوهم وعدو أبيهم من قديم . وحذرهم ما يقودهم الشيطان إليه من مثل هذا الشر المستطير :
يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ؛ ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر . ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ؛ ولكن الله يزكي من يشاء ، والله سميع عليم . .
وإنها لصورة مستنكرة أن يخطو الشيطان فيتبع المؤمنون خطاه ، وهم أجدر الناس أن ينفروا من الشيطان وأن يسلكوا طريقا غير طريقه المشؤوم ! صورة مستنكرة ينفر منها طبع المؤمن ، ويرتجف لها وجدانه ، ويقشعر لها خياله ! ورسم هذه الصورة ومواجهة المؤمنين بها يثير في نفوسهم اليقظة والحذر والحساسية :
( ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ) . . وحديث الإفك نموذج من هذا المنكر الذي قاد إليه المؤمنين الذين خاضوا فيه . وهو نموذج منفر شنيع .
وإن الإنسان لضعيف ، معرض للنزعات ، عرضة للتلوث . إلا أن يدركه فضل الله ورحمته . حين يتجه إلى الله ، ويسير على نهجه .
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا . ولكن الله يزكي من يشاء . .
فنور الله الذي يشرق في القلب يطهره ويزكيه . ولولا فضل الله ورحمته لم يزك من أحد ولم يتطهر . والله يسمع ويعلم ، فيزكي من يستحق التزكية ، ويطهر من يعلم فيه الخير والاستعداد ( والله سميع عليم ) . .
إذا تَنَقَى القلبُ عن الوساوس ، وصفا عن الهواجس بَدَتْ فيه أنوارُ الخواطر ، فإذا سما وقتُ العبدِ عن ذلك سَقَطَتْ الخواطر ، وبدت فيه أحاديث الحق - سبحانه - كما قال في الخبر : " لقد كان في الأمم محدَّثون فإن يكن في أمتي فَعُمَر " وإذا كان الحديث منه فذلك يكون تعريفاً يبقى مع العبد ، ولا يكون فيه احتمالٌ ولا إشكال ولا إزعاج ، وصاحبُه يجب أن يكون أميناً ، غيرَ مُظْهِر لِسِرِّ ما كوشِفَ به .
قوله جل ذكره : { وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزْكِّى مَن يَشَآءُ وَاللَهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
ردَّهم في جميع أحوالهم إلى مشاهدة ما منَّ الحقُّ في قسمي النفع والدفع ، وحالتي العسر واليسر ، والزَّكى من الله ، والنُّعمى من الله ، والآلاءُ من الله ، قال تعالى : { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } [ النحل :53 ] .
قوله :{ يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء } يعني : بالقبائح من الأفعال ، { والمنكر } ما يكرهه الله { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى } قال مقاتل : ما صلح . وقال ابن قتيبة : ما طهر ، { منكم من أحد } والآية على العموم عند بعض المفسرين ، قالوا : أخبر الله أنه لولا فضله ورحمته بالعصمة ما صلح منكم أحد . وقال قوم : هذا الخطاب للذين خاضوا في الإفك ، ومعناه : ما ظهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ، قال : ما قبل توبة أحد منكم أبداً { ولكن الله يزكي } يطهر ، { من يشاء } من الذنب بالرحمة والمغفرة ، { والله سميع عليم } .
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن اتباع خطوات الشيطان ، فقال : { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشآء والمنكر . . . } .
والخطوات : جمع خطوة . وهى فى الأصل تطلق على ما بين القدمين . والمراد بها هنا : طرقه ومسالكه ووساوسه ، التى منها الإصغاء إلى حديث الإفك ، والخوض فيه .
وما يشبه ذلك من الأقوال الباطلة ، والأفعال القبيحة .
أى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، احذروا أن تسلكوا المسالك التى يغريكم بسلوكها الشيطان ، فإن الشيطان وظيفتها الإغراء بالشر لا بالخير ، والأمر بالفحشاء والمنكر ، وليس بالفضائل والمعروف .
وجواب الشرط فى قوله : { وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان } محذوف ، والتقدير : ومن يتبع خطوات الشيطان يقع فى الضلال والعصيان ، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر .
وخاطبهم - سبحانه - بصفة الإيمان ، لتحريك قوة الإيمان فى قلوبهم ، ولتهييجهم على الاستجابة لما أرشدهم إليه - سبحانه - .
وقوله - سبحانه - { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً . . . } بيان لمظاهر فضله - تعالى - ولطفه بعباده المؤمنين .
والمراد بالتزكية هنا : التطهير من أرجاس الشرك ، ومن الفسوق والعصيان .
أى : ولولا فضل الله عليكم - أيها المؤمنون - ورحمته بكم - ما طهر أحد منكم من دنس الذنوب والمعاصى طول حياته ، ولكن الله - تعال - بفضله ورحمته يطهر من يشاء تطهيره من الأرجاس والأنجاس . بأن يقبل توبته . ويغسل حوبته .
" والله " - تعالى - " سميع " لدعاء عباده ومناجاتهم إياه " عليم " بما يسرونه وما يعلنونه من أقوال وأفعال .
قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ) يحذّر الله عباده المؤمنين سلوك سبيل الشيطان أو السير في مسالكه وطرائقه . وهي كثيرة ومعوجة ، قد بُنيت كلها على الشر والباطل والفتنة . ومن مسالك الشيطان وطرائقه : إشاعة الفاحشة والبهتان بين المسلمين ليضطربوا في حياتهم ويكونوا متجلجلين مبتئسين متخاصمين .
قوله : ( ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ) الفحشاء ، والفاحشة ، ما أفرط قبحه . والمنكر ، ما أنكره الشرع ؛ أي من تبع مسالك الشيطان ومشى في صراطه ودروبه وقع في الباطل والخسران وارتكب الفحشاء والمنكر ؛ لان الشيطان لا يني ولا يفتر دون إغواء البشر وإضلالهم وسوْقهم إلى مهاوي الويل والثبور .
قوله : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ) لولا ما امتنّ الله به على عباده من الفضل والرحمة ، ما تطهر منهم أحد من ذنوبه وعيوبه ومعاصيه الكثيرة ، ولما نجا من سوء المصير . لكن الله برحمته ورأفته بالخلق ينجي فيهم من يشاء ممن يستحق الهداية والنجاة . وهذا معنى قوله : ( ولكن الله يزكي من يشاء ) .
قوله : ( والله سميع عليم ) الله يسمع ما تقولونه بأفواهكم من خير أو شر فاحذروا التلبس بالبهتان وقول الفاحشة ، وهو سبحانه يعلم كل أموركم وأحوالكم . وما يصدر عنكم من أقوال وأفعال لا يخفى على الله منها شيء .