في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ} (99)

69

عندئذ استدبر إبراهيم مرحلة من حياته ليستقبل مرحلة ؛ وطوى صفحة لينشر صفحة :

( وقال : إني ذاهب إلى ربي سيهدين ) . .

هكذا . . إني ذاهب إلى ربي . . إنها الهجرة . وهي هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية . هجرة يترك وراءه فيها كل شيء من ماضي حياته . يترك أباه وقومه وأهله وبيته ووطنه وكل ما يربطه بهذه الأرض ، وبهؤلاء الناس . ويدع وراءه كذلك كل عائق وكل شاغل . ويهاجر إلى ربه متخففاً من كل شيء ، طارحاً وراءه كل شيء ، مسلماً نفسه لربه لا يستبقي منها شيئاً . موقن أن ربه سيهديه ، وسيرعى خطاه ، وينقلها في الطريق المستقيم .

إنها الهجرة الكاملة من حال إلى حال ، ومن وضع إلى وضع ، ومن أواصر شتى إلى آصرة واحدة لا يزحمها في النفس شيء . إنه التعبير عن التجرد والخلوص والاستسلام والطمأنينة واليقين .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ} (99)

قوله جل ذكره : { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ } .

يقال إنه طلبَ هداية مخصوصة ؛ لأنه كان صاحب هداية ، إذ لو لم تكن له هداية لَمَا ذَهبَ إلى رَبِّه . ويحتمل أنه كان صاحبَ هدايةٍ في الحال وطلبَ الهداية في الاستقبال أي زيادةً في الهداية . ويقال طلبَ الهداية على كيفية مراعاة الأدَب في الحضور ، ويقال طلبَ الهداية إلى نفسه لأنه فقدَ فيه قلبه ونفسه فقال سيهديني إليَّ لأقومَ بحقِّ عبُوديته ؛ فإن المستهلكَ في حقائق الجمع لا يصحُّ منه أداء العبادة إلاَّ بأن يُردَّ إلى حَالة التفرقة والتمييز .

ومعنى { إِلَى رَبِّى } أي إلى المكان الذي يُعْبدُ فيه ربي .

ويقال أخبر عن إبراهيم أنه قال : { إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى } : فأخْبر عن قوله .

وأخبر عن موسى فقال :{ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنا }[ الأعراف : 143 ] ، فأخبر عن صفته لا عن قوله . .

وقال في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم :{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ . . . }

[ الإسراء : 1 ] . [ فأخبر عن ذاته سبحانه ] .

وفصلٌ بَينَ هذِه المقامات ؛ فإبراهيم كان بعين الفرق ، وموسى بعينِ الجمع ؛ ونبينا كان بعين جمع الجمع .