تلك الشعائر والعبادات لا بد لها من حماية تدفع عنها الذين يصدون عن سبيل الله وتمنعهم من الاعتداء على حرية العقيدة وحرية العبادة ، وعلى قداسة المعابد وحرمة الشعائر ، وتمكن المؤمنين العابدين العاملين من تحقيق منهاج الحياة القائم على العقيدة ، المتصل بالله ، الكفيل بتحقيق الخير للبشرية في الدنيا والآخرة .
ومن ثم أذن الله للمسلمين بعد الهجرة في قتال المشركين ليدفعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم اعتداء المعتدين ، بعد أن بلغ أقصاه ، وليحققوا لأنفسهم ولغيرهم حرية العقيدة وحرية العبادة في ظل دين الله ، ووعدهم النصر والتمكين ، على شرط أن ينهضوا بتكاليف عقيدتهم التي بينها لهم فيما يلي من الآيات :
( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ، إن الله لا يحب كل خوان كفور ، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا . وإن الله على نصرهم لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا : ربنا الله . ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا . ولينصرن الله من ينصره ، إن الله لقوي عزيز ، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر . ولله عاقبة الأمور ) . .
إن قوى الشر والضلال تعمل في هذه الأرض ، والمعركة مستمرة بين الخير والشر والهدى والضلال ؛ والصراع قائم بين قوى الإيمان وقوى الطغيان منذ أن خلق الله الإنسان .
والشر جامح والباطل مسلح . وهو يبطش غير متحرج ، ويضرب غير متورع ؛ ويملك أن يفتن الناس عن الخير إن اهتدوا إليه ، وعن الحق إن تفتحت قلوبهم له . فلا بد للإيمان والخير والحق من قوة تحميها من البطش ، وتقيها من الفتنة وتحرسها من الأشواك والسموم .
ولم يشأ الله أن يترك الإيمان والخير والحق عزلا تكافح قوى الطغيان والشر والباطل ، اعتمادا على قوة الإيمان في النفوس وتغلغل الحق في الفطر ، وعمق الخير في القلوب . فالقوة المادية التي يملكها الباطل قد تزلزل القلوب وتفتن النفوس وتزيغ الفطر . وللصبر حد وللاحتمال أمد ، وللطاقة البشرية مدى تنتهي إليه . والله أعلم بقلوب الناس ونفوسهم . ومن ثم لم يشأ أن يترك المؤمنين للفتنة ، إلا ريثما يستعدون للمقاومة ، ويتهيأون للدفاع ، ويتمكنون من وسائل الجهاد . . وعندئذ أذن لهم في القتال لرد العدوان .
وقبل أن يأذن لهم بالانطلاق إلى المعركة آذنهم أنه هو سيتولى الدفاع عنهم فهم في حمايته : ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) . .
وأنه يكره أعداءهم لكفرهم وخيانتهم فهم مخذولون حتما : ( إن الله لا يحب كل خوان كفور ) . .
{ 38 } { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ }
هذا إخبار ووعد وبشارة من الله ، للذين آمنوا ، أن الله يدافع عنهم كل مكروه ، ويدفع عنهم كل شر -بسبب إيمانهم- من شر الكفار ، وشر وسوسة الشيطان ، وشرور أنفسهم ، وسيئات أعمالهم ، ويحمل عنهم عند نزول المكاره ، ما لا يتحملون ، فيخفف عنهم غاية التخفيف . كل مؤمن له من هذه المدافعة والفضيلة بحسب إيمانه ، فمستقل ومستكثر .
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ } أي : خائن في أمانته التي حمله الله إياها ، فيبخس حقوق الله عليه ، ويخونها ، ويخون الخلق .
{ كَفُورٌ } لنعم الله ، يوالي عليه الإحسان ، ويتوالى منه الكفر والعصيان ، فهذا لا يحبه الله ، بل يبغضه ويمقته ، وسيجازيه على كفره وخيانته ، ومفهوم الآية ، أن الله يحب كل أمين قائم بأمانته ، شكور لمولاه .
قوله تعالى : { إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور ( 38 ) } ذلك إخبار من الله بأنه يدفع عن عباده المؤمنين المتوكلين كيد الأشرار ، وغوائل الظالمين الفجار . الله جل وعلا يحفظ المؤمنين المخلصين المعتدى عليهم ، ويكلؤهم بعنايته ويكتب لهم التوفيق والصون والكلاءة ويصدّ عنهم شر المتربصين والمتمالئين والخائنين من الكافرين . وذلك كقوله سبحانه : ( أليس الله بكاف عبده ) وقد علل الله ذلك بأن أعداء المؤمنين خونة ، مغالون في الخيانة والكفر . وهو قوله : ( إن الله لا يحب كل خوان كفور ) لا يحب من اتصف بالخيانة والكفران وجحد النعمة وخان الله ورسوله بالصد عن الحق وإنزال الأذى والمكاره بالمسلمين .
وقيل : نزلت بسبب المؤمنين في مكة ؛ إذ آذاهم المشركون أشد الإيذاء ، فأراد بعضهم أن يقتل من أمكنه من الكفار غيلة واحتيالا ، فنزلت الآية للنهي عن الخيانة والغدر ، والوعد بالمدافعة عن المؤمنين الصابرين المتوكلين{[3123]} .
وروي أن أصحاب النبي ( ص ) استأذنوه في قتل بعض الكفار غيلة فنزلت ( إن الله لا يحب كل خوان كفور ) فلما هاجر إلى المدينة أطلق قتلاهم . وهذا إن كان صحيحا فقد نسخه الحديث الصحيح أن النبي ( ص ) قال : " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله ؟ " فقام محمد بن مسلمة فقال : يا رسول الله ، أتحب أن أقتله ؟ قل " نعم " فقتله مع أصحابه غيلة . وكذلك بعث النبي ( ص ) رهطا إلى أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق فقتلوه غيلة{[3124]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.