ثم يجول معهم جولة أخرى علها توقظ وجدانهم إلى دلائل الإيمان في أنفسهم وفي الآفاق من حولهم :
( وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة . قليلا ما تشكرون . وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون . وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار . أفلا تعقلون ? ) . .
ولو تدبر الإنسان خلقه وهيئته ، وما زود به من الحواس والجوارح ، وما وهبه من الطاقات والمدارك لوجد الله ، ولاهتدى إليه بهذه الخوارق الدالة على أنه الخالق الواحد . فما أحد غير الله بقادر على إبداع هذه الخلقة المعجزة في الصغير منها وفي الكبير .
هذا السمع وحده وكيف يعمل ? كيف يلتقط الأصوات ويكيفها ? وهذا البصر وحده وكيف يبصر ? وكيف يلتقط الأضواء والأشكال ? وهذا الفؤاد ما هو ? وكيف يدرك ? وكيف يقدر الأشياء والأشكال والمعاني والقيم والمشاعر والمدركات ?
إن مجرد معرفة طبيعة هذه الحواس والقوى وطريقة عملها ، يعد كشفا معجزا في عالم البشر . فكيف بخلقها وتركيبها على هذا النحو المتناسق مع طبيعة الكون الذي يعيش فيه الإنسان ؛ ذلك التناسق الملحوظ الذي لو اختلت نسبة واحدة من نسبه في طبيعة الكون أو طبيعة الإنسان لفقد الاتصال ، فما استطاعت أذن أن تلتقط صوتا ، ولا استطاعت عين أن تلتقط ضوءا . ولكن القدرة المدبرة نسقت بين طبيعة الإنسان وطبيعة الكون الذي يعيش فيه ، فتم هذا الاتصال . غير أن الإنسان لا يشكر على النعمة : ( قليلا ما تشكرون ) . . والشكر يبدأ بمعرفة واهب النعمة ، وتمجيده بصفاته ، ثم عبادته وحده ؛ وهو الواحد الذي تشهد بوحدانيته آثاره في صنعته . ويتبعه استخدام هذه الحواس والطاقات في تذوق الحياة والمتاع بها ، بحس العابد لله في كل نشاط وكل متاع .
{ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ( 78 ) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 79 ) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( 80 ) } .
78 - وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ .
الأفئدة : القلوب ، مفردها فؤاد ، وقد خلقها للتفكر والتدبر والتأمل .
من شأن القرآن الكريم أن يتخول الناس بالموعظة بين الحين والحين ، فقد استعرض حال أهل مكة ، وإصرارهم على الكفر والعناد فيما سبق ، وهنا يذكرهم بأنعم الله تعالى عليهم ، فالله تعالى أوجدهم إلى الدنيا ، لا يعلمون شيئا ، ثم أنعم عليهم بحاسة السمع ، والطفل يبدأ في السمع خلال الأسابيع الأولى من ولادته ، وخلال الشهر الثالث يبدأ في الإبصار ، ولا يتم تركيز الإبصار إلا بعد الشهر السادس ، وأما الإدراك بالعقل فلا يكون إلا بعد ذلك .
وهذه الأجهزة العجيبة ، التي يتمتع بها الإنسان ، وكيفية عملها وأدائها لوظائفها ، أمر يدير الرءوس ، وقد كان اكتشاف طبيعة هذه الحواس والقوى وطريقة عملها ، يعد كشفا عظيما في عالم البشر ، فكيف بخلقها وتركيبها على هذا النحو المتناسق مع طبيعة الكون الذي يعيش فيه الإنسان ؟
ونلاحظ أن القرآن الكريم يقدم السمع على البصر ، ويدل ذلك على أهمية السمع في حياة الإنسان ، وكأن اختراع الإذاعة والتليفون ، والتليفون المحمول مما يبين أهمية السمع ، والسمع مرتبط بالفكر ، والأعمى يعتمد على السمع والفكر وهما وسيلة تميز الإنسان ، وفي الحديث الصحيح : أن الله اختبر ثلاثة من البشر ، كانوا مرضى وفقراء فشفاهم الله ، وأعطاهم المال ؛ ثم اختبرهم في حال الصحة والغنى ، وكان أحدهم أبرص والثاني أقرع ، والثالث أعمى ، فرسب الأبرص والأقرع في الامتحان ، ونجح الأعمى لأن الأول ضن بالمال ورفض مساعدة مريض فقير ، وكذلك الثاني ، أما الأعمى فقد قال : لقد كنت مثلك أعمى فشفاني الله ، وكنت فقيرا فأغناني الله ، خذ ما تشاء من أغنامي فلا أمنعك مالا أخذته في سبيل الله ، فقال له الملاك : أمسك عليك مالك ، لقد رضي عنك وسخط على صاحبيك )xxiv .
وهذا الحديث الصحيح يبين أهمية البصيرة الداخلية ، وأهمية القيام بشكر الله تعالى على ما أنعم به .
وفي معنى الآية قوله تعالى : وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . ( النحل : 78 ) .
وقد خص الله تعالى نعم السمع والبصر والعقل بالذكر ، لأن النظر العقلي والإيمان متوقف عليها ، ثم قال سبحانه وتعالى في ختام الآية :
أي : إن الناس لم يستخدموا هذه النعم في معرفة الحق سبحانه ، ولذلك آمن قليلهم وكفر أكثرهم .
قال تعالى : وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ . ( يوسف : 103 ) .
وقال عز شأنه : وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ . . . ( ص : 24 ) .
وقال تعالى : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ . ( سبأ : 13 ) .
وقيل : إن المعنى أن الناس يشكرون الله شكرا قليلا ، وكان أولى بهم أن يكثروا من شكرهم لربهم عرفانا بفضله ، وذكرا لالآئه ، وتلبية لأوامره ، وتبتلا إليه ، قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . ( الأحزاب ، 41 ، 42 ) .
وقال تعالى : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ . ( إبراهيم : 7 ) .
وَهُوَ الَّذي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبصار } لتحسوا بها الآيات التنزيلية والتكوينية { والأفئدة } لتتفكروا بها في الآيات وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع ، وقدم السمع لكثرة منافعه ، وأفرد لأنه مصدر في الأصل ولم يجمعه الفصحاء في الأكثر ، وقيل : أفرد لأنه يدرك به نوع واحد من المدركات وهو الأصوات بخلاف البصر فإنه يدرك به الأضواء والألوان والأكوان والأشكال وبخلاف الفؤاد فإنه يدرك به أنواع شتى من التصورات والتصديقات . وفي الآية إشارة إلى الدليل الحسي والعقلي ، وتقديم ما يشير إلى الأول قد تقدم فتذكر فما في العهد من قدم { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } أي شكراً قليلاً تشكرون تلك النعم الجليلة لأن العمدة في الشكر صرف تلك القوى التي هي في أنفسها نعم باهرة إلى ما خلقت هي له فنصب { قَلِيلاً } على أنه صفة مصدر محذوف ، والقلة على ظاهره بناء على أن الخطاب للناس بتغليب المؤمنين ، وجوز أن تكون بمعنى النفي بناء على أن الخطاب للمشركين على سبيل الالتفات ، وقيل : هو للمؤمنين خاصة وليس بشيء ، والأولى عندي كونه للمشركين خاصة مع جواز كون القلة على ظاهرها كما لا يخفى على المتدبر ؛ و { مَا } علا سائر الأقوال مزيدة للتأكيدة .
{ 78 - 80 } { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }
يخبر تعالى بمننه على عباده الداعية{[551]} لهم إلى شكره ، والقيام بحقه فقال : { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ } لتدركوا به المسموعات ، فتنتفعوا في دينكم ودنياكم ، { وَالْأَبْصَارَ } لتدركوا بها المبصرات ، فتنتفعوا بها{[552]} في مصالحكم .
{ وَالْأَفْئِدَةَ } أي : العقول التي تدركون بها الأشياء ، وتتميزون بها عن البهائم ، فلو عدمتم السمع ، والأبصار ، والعقول ، بأن كنتم صما عميا بكما ماذا تكون حالكم ؟ وماذا تفقدون من ضرورياتكم وكمالكم ؟ أفلا تشكرون الذي من عليكم بهذه النعم ، فتقومون بتوحيده وطاعته ؟ . ولكنكم ، قليل شكركم ، مع توالي النعم عليكم .