ومثل إرسال الرياح مبشرات إرسال الرسل بالبينات :
ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات . .
ولكن الناس لم يستقبلوا رحمة الله هذه - وهي أجل وأعظم - استقبالهم للرياح المبشرات . ولا انتفعوا بها - وهي أنفع وأدوم - انتفاعهم بالمطر والماء ! ووقفوا تجاه الرسل فريقين : مجرمين لا يؤمنون ولا يتدبرون ولا يكفون عن إيذاء الرسل والصد عن سبيل الله . و مؤمنين يدركون آيات الله ، ويشكرون رحمته ، ويثقون بوعده ، ويحتملون من المجرمين ما يحتملون . . ثم كانت العاقبة التي تتفق مع عدل الله ووعده الوثيق .
( فانتقمنا من الذين أجرموا . وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) . .
وسبحان الذي أوجب على نفسه نصر المؤمنين ؛ وجعله لهم حقا ، فضلا وكرما . وأكده لهم في هذه الصيغة الجازمة التي لا تحتمل شكا ولا ريبا . وكيف والقائل هو الله القوي العزيز الجبار المتكبر ، القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير . يقولها سبحانه معبرة عن إرادته التي لا ترد ، وسنته التي لا تتخلف ، وناموسه الذي يحكم الوجود .
وقد يبطئ هذا النصر أحيانا - في تقدير البشر - لأنهم يحسبون الأمور بغير حساب الله ، ويقدرون الأحوال لا كما يقدرها الله . والله هو الحكيم الخبير . يصدق وعده في الوقت الذي يريده ويعلمه ، وفق مشيئته وسنته . وقد تتكشف حكمة توقيته وتقديره للبشر وقد لا تتكشف . ولكن إرادته هي الخير وتوقيته هو الصحيح . ووعده القاطع واقع عن يقين ، يرتقبه الصابرون واثقين مطمئنين .
{ ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين . }
البينات : المعجزات والحجج الواضحات .
من حفظ الله لهذا الكون أنه سخر الشمس والقمر والرياح والأمطار والليل والنهار والنبات والثمر وسخر السفن ويسر التجارة والزراعة والصناعة ليستفيد الإنسان بإصلاح دنياه وليشكر ربه .
وقد أرسل الله الرسل وأنزل عليهم الكتب لهداية الناس فأنزل التوراة على موسى والزبور على داود ، والصحف على إبراهيم والإنجيل على عيسى ، والقرآن على محمد كما أعطى هؤلاء الرسل البينات والمعجزات فآمن بعض الناس وكفر أكثرهم فأرسل الله نقمته وعذابه على المكذبين وتكفل الله تعالى بنصر المؤمنين وجعل ذلك حقا واجبا عليه .
وقد يتأخر النصر لحكمة إلهية عليا ، فمن الواجب ألا يياس المؤمنون بل عليهم أن يستمروا في أداء دعوتهم وتحقيق رسالتهم وأداء النصيحة والتحذير من الغواية ولا ينبغي للمؤمن أن يترك راية الحق بل هو يحمل رسالته ويمضي ويسلم الراية من جيل إلى جيل وقد تكفل الله يحفظ كتابه .
قال سبحانه : { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } . ( الأنبياء 105 ) .
روى ابن أبي حاتم والطبراني والترمذي وابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة ثم تلا هذه الآية : وكان حقا علينا نصر المؤمنين " . xvii
قال الزمخشري : في قوله تعالى : { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } ، تعظيم للمؤمنين ورفع من شأنهم حيث جعلهم مستحقين عليه أن يظهرهم ويظفرهم .
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ } اعتراض لتسليته صلى الله عليه وسلم بمن قبله على وجه يتضمن الوعد له عليه الصلاة والسلام والوعيد لمن عصاه ، وفي ذلك أيضاً تحذير عن الإخلال بمواجب الشكر .
والمراد بقومهم أقوامهم والإفراد للاختصار حيث لا لبس والمعنى ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى أقوامهم كما أرسلناك إلى قومك { فَجَاءوهُمْ بالبينات } أي جاء كل قوم رسولهم بما يخصه من البينات كما جئت قومك ببيناتك { فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ } الفاء فصيحة أي فآمن بعض وكذب بعض فانتقمنا ، وقيل : أي فكذبوهم فانتقمنا منهم ووضع الموصول موضع ضميرهم للإشعار بالعلة والتنبيه على مكان المحذوف ، وجوز أن تكون تفصيلاً للعموم بأن فيهم مجرماً مقهوراً ومؤمناً منصوراً { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين } فيه مزيد تشريف وتكرمة للمؤمنين حيث جعلوا مستحقين على الله تعالى أن ينصرهم وإشعار بأن الانتقام لأجلهم ، والمراد بهم ما يشمل الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وجوز تحصيص ذلك بالرسل بجعل التعريف عهدياً ، وظاهر الآية أن هذا النصر في الدنيا ، وفي بعض الآثار ما يشعر بعدم اختصاصه بها وأنه عام لجميع المؤمنين فيشمل من بعد الرسل من الأمة .
أخرج ابن أبي حاتم . والطبراني . وابن مردويه عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله تعالى أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة ثم تلا عليه الصلاة والسلام وكان حقاً علينا نصر المؤمنين " وفي هذا إشعار بأن { حَقّاً } خبر كان { وَبَشّرِ المؤمنين } الاسم كما هو الظاهر ، وإنما أخر الاسم لكون ما تعلق به فاصلة وللاهتمام بالخبر إذ هو محط الفائدة على ما في «البحر » .
قال ابن عطية : ووقف بعض القراء على { حَقّاً } على أن اسم كان ضمير الانتقام أي وكان الانتقام حقاً وعدلاً لا ظلماً ، ورجوعه إليه على حد { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } [ المائدة : 8 ] و { عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين } جملة مستأنفة وهو خلاف الظاهر المؤيد بالخبر وإن لم يكن فيه محذور من حيث المعنى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.