في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (13)

( ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ، وهموا بإخراج الرسول ، وهم بدأوكم أول مرة ? أتخشونهم ? فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين . قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ، ويخزهم وينصركم عليهم ، ويشف صدور قوم مؤمنين ، ويذهب غيظ قلوبهم ، ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم . أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ? والله خبير بما تعملون ) . .

تجيء هذه الفقرة بعد الفقرة السابقة التي تقرر فيها الاستنكار من ناحية المبدأ لأن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ؛ والأمر بتخيير المشركين في الجزيرة بين الدخول فيما دخل فيه المسلمون أو قتالهم - إلا من استجار فيجار حتى يسمع كلام الله ثم يبلغ مأمنه خارج دار الإسلام - وبيان علة هذا الاستنكار ؛ وهي أنهم لا يرعون إلا ولا ذمة في مؤمن متى ظهروا على المؤمنين .

تجيء هذه الفقرة لمواجهة ما حاك في نفوس الجماعة المسلمة - بمستوياتها المختلفة التي سبق الحديث عنها - من تردد وتهيب للإقدام على هذه الخطوة الحاسمة ! ومن رغبة وتعلل في أن يفيء المشركون الباقون إلى الإسلام دون اللجوء إلى القتال الشامل ! ومن خوف على النفوس والمصالح وركون إلى أيسر الوسائل ! .

والنصوص القرآنية تواجه هذه المشاعر والمخاوف والتعلات باستجاشة قلوب المسلمين بالذكريات والأحداث القريبة والبعيدة . تذكرهم بنقض المشركين لما أبرموه معهم من عهود وما عقدوه معهم من أيمان . وتذكرهم بما هم به المشركون من إخراج الرسول [ ص ] من مكة قبل الهجرة . وتذكرهم بأن المشركين هم الذين بدأوهم بالاعتداء في المدينة . . ثم تثير فيهم الحياء والنخوة أن يكونوا إنما يخشون لقاء المشركين . والله أولى أن يخشوه إن كانوا مؤمنين .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (13)

{ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ( 13 ) }

التفسير :

13 – { أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ . . . } الآية .

المناسبة :

بعد أن قال تعالى : { قاتلوا أئمة الكفر } . أتبعه بذكر السبب الذي يبعث على مقاتلتهم ، وهو نقض العهد واعتداؤهم على المؤمنين وبدؤهم لهم بالقتال ، وهمهم بإخراج الرسول من بلده .

معنى الآية :

هذا حض وتحريض على قتال المشركين الناكثين أيمانهم وعهودهم وذلك لأسباب ثلاثة ذكرها الله تعالى في هذه الآية :

1 – { نكثهم العهد } : إنهم نقضوا عهودهم التي أقسموا عليها .

قال ابن عباس : نزلت في كفار مكة الذين نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية ، وأعانوا بني بكر على خزاعة ، وهذا يدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ؛ ليكون ذلك زجرا لغيرهم ، والعهد الذي نقضوه هو صلح الحديبية ؛ لمناصرة قريش حلفاؤهم بني بكر ، على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ، ليلا بالقرب من مكة ، على ماء يسمى : ( الهجير ) . فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفتح مكة سنة ثمان هجرية ، في العشرين من رمضان .

2 – الهم بإخراج الرسول ، حين تشاوروا في دار الندوة على التخلص منه ، وتداولوا الأمر وفكروا في حبسه أو نفيه أو قتله .

قال تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين }( الأنفال : 30 ) .

3 – بدؤهم بالقتال ، فقد بدءوا بالقتال يوم بدر وكذلك في أحد والخندق وغيرها ، وبعد أن ذكر الله هذه الأمور الموجبة لقتالهم ، اتجه بالحديث إلى المؤمنين ؛ ليهجهم ويحمسهم فقال : أتخشونهم أي : أتخافونهم أيها المؤمنون فتتركوا قتالهم ؛ خوفا على أنفسكم ؟ لا ينبغي ذلك منكم ، { فالله أحق أن تخشوه } أي : فالله أولى بالخشية ؛ لأنه صاحب القدرة المطلقة التي تدفع الضرر المتوقع ، وهو القتل ، { إن كنتم مؤمنين } ؛ فالإيمان قوة دافعة على الإقدام ، أي : إن كنتم مؤمنين ؛ فأقبلوا على قتالهم ، ولا تخافوا ولا تجبنوا ؛ إذ شرط الإيمان الخوف من الله وحده دون سواه ؛ لأن بيده النفع والضر . وفي هذا دلالة على أن المؤمن ، الذي يخشى الله وحده ، يجب أن يكون أشجع الناس وأجرأهم على القتال .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (13)

قوله تعالى : { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين 13 قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدورهم قوم مؤمنون 14 ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم } .

في قوله : { ألا تقاتلوا } دخلت الهمزة على ( لا ) النافية للاستفهام التوبيخي . والمراد التحضيض على سبيل المبالغة ، على قتال هؤلاء المشركين المضلين الذين نقضوا عهدهم معكم ، وطعنوا في دينكم وظاهروا عليكم عدو الله وعدوكم . وهم الذين هموا بإخراج الرسول من بين أظهرهم فأخرجوه عقب تمالئهم عليه في دار الندوة . وكذلك هم الذين بدأوكم أول مرة بالقتال ؛ إذ جمعوا لكم في بدر قاصدين استئصالكم { أتخشونهم } كرر زيادة في التأكيد والتحضيض على قتال المشركين المعتدين وهم أجدر ألا يخافون المسلمون . بل الله أحق أن يخشوه { إن كنتم مؤمنين } عن كنتم تقرون أن الله أحق بالخشية من هؤلاء الجبناء الأنذال . فما ينبغي للمؤمنين أولي العقيدة المتينة الحكيمة والصلة بالله العزيز الحميد والاعتصام بخير ملة عرفتها الدنيا ووفقت عليها البشرية –أن يخشوا أهل الباطل والضلال من المشركين . إنما يخشى المؤمنون ربهم خشية تفوق كل خشية .