( إن الذين يكفرون بالله ورسله ؛ ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ؛ ويقولون : نؤمن ببعض ونكفر ببعض ؛ ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا . أولئك هم الكافرون حقا ، وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا . والذين آمنوا بالله ورسله ، ولم يفرقوا بين أحد منهم ، أولئك سوف يؤتيهم أجورهم ؛ وكان الله غفورا رحيمًا ) .
لقد كان اليهود يدعون الإيمان بأنبيائهم ؛ وينكرون رسالة عيسى ورسالة محمد ؛ كما كان النصارى يقفون بإيمانهم عند عيسى - فضلا عن تأليهه - وينكرون رسالة محمد كذلك .
وكان القرآن ينكر على هؤلاء وهؤلاء ؛ ويقرر التصور الإسلامي الشامل الكامل عن الإيمان بالله ورسوله ؛ بدون تفريق بين الله ورسله ؛ وبدون تفريق كذلك بين رسله جميعا . وبهذا الشمول كان الإسلام هو " الدين " الذي لا يقبل الله من الناس غيره ، لأنه هو الذي يتفق مع وحدانية الله ؛ ومقتضيات هذه الوحدانية .
إن التوحيد المطلق لله سبحانه يقتضي توحيد دينه الذي أرسل به الرسل للبشر ، وتوحيد رسله الذين حملوا هذه الأمانة للناس . . وكل كفر بوحدة الرسل أو وحدة الرسالة هو كفر بوحدانية الله في الحقيقة ؛ وسوء تصور لمقتضيات هذه الوحدانية . فدين الله للبشر ومنهجه للناس ، هو هو لا يتغير في أساسه كما أنه لا يتغير في مصدره .
لذلك عبر السياق هنا عمن يريدون التفرقة بين الله ورسله [ بأن يؤمنوا بالله ويكفروا بالرسل ] وعمن يريدون التفرقة بين الرسل [ بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا ببعضهم ] عبر عن هؤلاء وهؤلاء بأنهم ( الذين يكفرون بالله ورسله ) ، وعد تفرقتهم بين الله ورسله ، وتفرقتهم بين بعض رسله وبعض ، كفرا بالله وبرسله .
إن الإيمان وحدة لا تتجزأ . . الإيمان بالله إيمان بوحدانيته - سبحانه - ووحدانيته تقتضي وحدة الدين الذي ارتضاه للناس لتقوم حياتهم كلها - كوحدة - على أساسه . ويقتضي وحدة الرسل الذين جاءوا بهذا الدين من عنده - لا من عند أنفسهم ولا في معزل عن إرادته ووحيه - ووحدة الموقف تجاههم جميعا . . ولا سبيل إلى تفكيك هذه الوحدة . إلا بالكفر المطلق ؛ وإن حسب أهله أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض !
يكفرون بالله ورسله : أي يؤدي مذهبهم إلى الحكم بكفرهم بالله ورسله ، على ما سيأتي بيانه .
ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله : بأن يؤمنوا بالله ويكفروا ببعض الرسل ، فيحصل بذلك التفريق بين الله ورسله في الإيمان ، وهذا التفريق أدى بهم إلى الكفر بالله ؛ لعصيانهم أمره ، وإلى الكفر برسله ، لأنهم يصدق بعضهم بعضا .
150_ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ . . . الآية
بين سبحانه رذائل أهل الكتاب وأباطيلهم وسوء مصيرهم ، بعد حديثه القريب عن المنافقين فقال سبحانه :
إن الذين يكفرون بالله ورسله . والمراد بهؤلاء الكافرين : اليهود والنصارى فاليهود كفروا بالله تعالى فجعلوه جسما ينزل إلى الأرض ، ويأكل ويشرب ، ويغالب غيره ، فيغلب تارة ويغلب أخرى ، ويقود جيوشهم فتنتصر تارة وتهزم أخرى ، وكفروا بعيسى وبمحمد وآمنوا بغيرهما ، وبذلك فرقوا بين الله ورسوليه الذين لم يؤمنوا بهما ، وأقصوهما عن شرف الرسالة ، وبذلك آمنوا ببعض الرسل ، وكفروا بالبعض الآخر ، وخالفوا بذلك أمر الله ، وكانوا به كافرين بجميع الرسل .
وجاء في تفسير الآية للدكتور محمد طنطاوي :
إن الذين يكفرون بالله ورسله . بأن يجحدوا وحدانية الله وينكروا صدق رسله عليهم الصلاة والسلام . ويريدن أن يفرقوا بين الله ورسله ، أي يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله تعالى ، وبين الإيمان برسله ، بأن يعلنوا إيمانهم بوجود الله تعالى وأنه خالق هذا الكون إلا أنهم يكفرون برسله أو ببعضهم{[144]} .
وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب أمر لابد من الإيمان به لأن الله تعالى يريد لعباده الهداية والإرشاد إلى طريق الخير فأرسل الرسل ليكونوا هداة للبشرية ودعاة إلى الخير ، وحجة على العصاة يوم القيامة ، قال تعالى : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ . ( النساء : 165 ) .
قال القرطبي : نص سبحانه على أن التفريق بين الإيمان بالله والإيمان برسله كفر ، وإنما كان كفرا لان الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل ، فإذا جحدوا رسالة الرسل فقد ردوا عليهم شرائعهم ، ولم يقبلوها منهم ، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أمروا بالتزامها . فكان كجحد التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر {[145]} .
وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ . فاليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى وبمحمد والنصارى آمنوا وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فهم آمنوا ببعض الرسل ، وكفروا بالبعض الآخر ، وكانوا بذلك كافرين بالرسل جميعا ، لأن دين الله واحد فالكفر برسول من الرسل كفر بما جاء به سائر الرسل ، ولأن كل رسول وصى أمته أن يؤمنوا بالرسل الذين يبعثهم الله بعده . فمن كفر بأحدهم فقد كذب الرسل الذين سبقوه وجحد وصيتهم .
وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً . أي : ويريدون أن يتخذوا طريقا وسطا بين الإيمان والكفر مع أنه لا وسط بينهما إذ الحق واحد ، لا ينتقص منه ، وليس بعد الحق إلا الضلال .
ولما انقضى ذلك على أتم وجه وأحسن سياق ونحو ، وختم بصفتي العفو والقدرة ؛ شرع{[23165]} في بيان أحوال من لا يعفى عنه من أهل الكتاب ، وبيان أنهم هم الذين أضلوا المنافقين بما يلقون إليهم من الشبه التي وسَّعَ عقولهم لها ما أنعم به عليهم سبحانه وتعالى من العلم ، فأبدوا الشر وكتموا الخير ، فوضعوا نعمته حيث يكره ، ثم كشف سبحانه وتعالى بعض شبههم ، فقال مبيناً لما افتتح به قصصهم من أنهم اشتروا الضلالة بالهدى ، ويريدون ضلال غيرهم ، بعد أن كان ختم هناك ما قبل قصصهم بقوله عفواً قديراً{[23166]} : { إن الذين يكفرون } أي{[23167]} يسترون ما عندهم من العلم { بالله } أي الذي له الاختصاص بالجلال والجمال{[23168]} { ورسله } .
ولما ذكر آخر أمرهم ذكر السبب الموقع فيه فقال{[23169]} : { ويريدون أن يفرقوا بين الله } أي الذي له الأمر كله ، ولا أمر لأحد معه { ورسله } أي فيصدقون بالله ويكذبون ببعض الرسل فينفون رسالاتهم ، المستلزم لنسبتهم{[23170]} إلى الكذب على الله المقتضي لكون الله سبحانه وتعالى{[23171]} بريئاً منهم .
ولما ذكر الإرادة ذكر ما نشأ عنها فقال : { ويقولون نؤمن ببعض } أي من الله ورسله كاليهود الذين آمنوا بموسى عليه الصلاة والسلام وغيره إلا عيسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم فكفروا بهما { ونكفر ببعض } أي من ذلك وهم{[23172]} الرسل كمحمد{[23173]} صلى الله عليه وسلم { ويريدون أن يتخذوا } أي يتكلفوا أن يأخذوا { بين ذلك } أي الإيمان والكفر { سبيلاً * } أي طريقاً يكفرون به ، وعطف الجمل بالواو - وإن كان بعضها سبباً لبعض - إشارة إلى أنهم جديرون بالوصف بكل منها{[23174]} على انفراده ، وأن كل خصلة كافية في{[23175]} نسبة الكفر إليهم ، وقدم نتيجتها ، وختم بالحكم بها على وجه أضخم ، تفظيعاً لحالهم ، وأصل الكلام : أرادوا سبيلاً بين سبيلين ، فقالوا{[23176]} : نكفر ببعض ، فأرادوا التفرقة ، فكفروا كفراً هو في غاية الشناعة على علم منهم ،
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.