ولكن ماذا كان ؟ إنهم بمجرد ذهاب الخوف عنهم ؛ وغياب القهر لهم ، تملصوا من الميثاق الغليظ فنقضوه ، وكفروا بآيات الله ، وقتلوا أنبياءه بغير حق . وتبجحوا فقالوا : إن قلوبنا لا تقبل موعظة ، ولا يصل إليها قول ، لأنها مغلفة دون كل قول ! وفعلوا كل الأفاعيل الأخرى التي يقصها الله سبحانه على رسوله وعلى المسلمين - في مواجهة اليهود - في سياق هذه الآيات . .
( فبما نقضهم ميثاقهم ، وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ، وقولهم قلوبنا غلف )
وعند قولهم : ( قلوبنا غلف ) . . وهي القولة التي كانوا يجيبون بها على دعوة الرسول [ ص ] إما تيئيسا له من إيمانهم واستجابتهم ، وإما استهزاء بتوجيه الدعوة إليهم ، وتبجحا بالتكذيب وعدم الإصغاء ، وإما هذا وذلك معا . . عند قولهم هذا ينقطع السياق للرد عليهم :
( بل طبع الله عليها - بكفرهم - فلا يؤمنون إلا قليلا - )
فهي ليست مغلفة بطبعها . إنما هم كفرهم جر عليهم أن يطبع الله على قلوبهم ، فإذا هي صلدة جامدة مغطاة ، لا تستشعر نداوة الإيمان ولا تتذوق حلاوته ، فلا يقع منه الإيمان ، إلا قليلا ، ممن لم يستحق بفعله ، أن يطبع الله على قلبه . أي أولئك الذين فتحوا قلوبهم للحق واستشرفوه ، فهداهم الله إليه ورزقهم إياه . وهم قلة قليلة من اليهود . كعبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسد بن سعية ، وأسد بن عبيدالله . .
فبما نقضهم ميثاقهم : أي : فبسبب نقضهم ومخالفتهم للعهد الوثيق المؤكد وما في قوله : فبما نقضهم : لتوكيد هذا النقص ، فإنها كثيرا ما توصل بالكلام لهذا الغرض كقوله تعالى : فبما رحمة من الله لنت لهم . أي : فبرحمة مؤكدة من الله كنت لينا معهم .
قلوبنا غلف : أي : مغلقة ومغطاة بأغشية تمنعها من قبول ما جاء به الرسول . وغلف : جمع أغلف . وهو : ما له غلاف .
طبع الله عليها بكفرهم : أي : تخلى عن هدايتها بسبب إصرارهم على الكفر
155- فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ . . . أي : فنقض بنو إسرائيل الميثاق الغليظ الذي أخذناه عليهم ، فبسبب هذا النقض لعناهم وعاقبناهم ، كما لعناهم وعاقبناهم بسبب كفرهم بآيات الله الكونية العجيبة التي أجرها الله على يد موسى ، إذ عبدوا العجل بعدها ، وقالوا : أرنا الله جهرة .
وكذلك آيات التوراة فقد أخفوا ما جاء فيها من بشارات عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو أساءوا تأويلها ليبرروا كفرهم .
وكما لعناهم بذلك ، لعناهم بقتلهم أنبياءهم بغيا وحسدا دون شائبة من الحق كما فعلوا بيحيي وزكريا وشعيب وغيرهم- ولعناهم وعاقبناهم بقولهم :
قُلُوبُنَا غُلْفٌ . أي : مغطاة بأغطية من الصدود والرفض لدعوتك يا محمد ، فلن تصل إيها براهينك فلا تتعب نفسك معنا .
وقريب من هذا قوله تعالى حكاية عن المشركين :
وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ . . . ( فصلت : 5 ) .
وقيل : إن قوله : غلف : مع غلاف- ككتب وكتاب وعليه يكون المعنى :
وقالوا قلوبنا غلف . أي : أوعية للعلم شأنها في ذلك شأن الكتب فلا حاجة بنا إلى علم جديد .
والتأويل الأول أقرب إلى سياق الآية فقد ورد الله عليهم بقوله : بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً .
المعنى : ليست قلوبهم مغطاة بأغطية تحجب عنها إدراك الحق كما زعموا ، بل الحق : أن الله تعالى ختم عليها ، وطمس معالم الحق فيها بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة ، وإيثارهم الغي على سبيل الرشاد .
فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً .
أي : فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، ليس له وزن عند الله لفقدانه العناصر الضرورية لصحته ، ومن هذه العناصر : صدق اليقين ، ومحبة الله ، وإخلاص الوجه له ، وقريب من ذلك قوله تعالى :
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ . . . ( الحجرات : 14 ) .
فقوله : إلا قليلا : نعت لمصدر محذوف أي : إلا إيمانا قليلا ، كإيمانهم بنبوة موسى عليه السلام ، وإنما كان إيمانهم هذا لا قيمة له عند الله ، لأن الإيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعضهم ، يعتبره الإسلام كفروا بالكل كما سبق أن بينا في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا . . . ( النساء : 150-151 ) .
ومنهم من جعل قوله : إلا قليلا . صفة لزمان محذوف أي : فلا يؤمنون إلا زمانا قليلا .
ومنهم من جعل الاستثناء في قوله : إلا قليلا . من جماعة اليهود المدلول عليهم بالواو في قوله فلا يؤمنون . أي : فلا يؤمنون إلا عددا قليلا منهم : كعبد الله بن سلام وأشباهه . والجملة الكريمة وهي قوله : طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ . معترضة بين الجمل المتعاطفة ، وقد جيء بها للمسارعة إلى رد مزاعمهم الفاسدة وأقاويلهم الباطلة {[148]}
فلما بين سبحانه أنه أكد عليهم الميثاق{[23291]} ، وأكثر من التقدم في حفظ العهد ؛ بين أنهم نقضوا ، فأقبهم بسبب ذلك ما هددوا به في التوراة من الخزي وضرب الذلة مع ما ادخر لهم في الآخرة فقال : { فبما } مؤكداً بإدخال " ما " { نقضهم ميثاقهم } أي فعلنا بهم{[23292]} بسبب ذلك جميع ما ذكرنا في التوراة من الخزي ، وقد تقدم كثير منه في القرآن ، ولا يبعد عندي تعليقه بقوله الآتي " حرمنا عليهم طيبات - واعتدنا " ويكون من الطيبات العز ورغد العيش ، وذلك جامع لنكد الدارين وعطف على هذا الأمر العام ما اشتدت به{[23293]} العناية من إفراده عطف الخاص على العام فقال : { وكفرهم بآيات الله } مما جاءهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم واقتضت حكمته سبحانه أن يكون عظمتها مناسبة لعظمة اسمه الأعظم الذي هو مسمى جميع الأسماء ، فاستلزم كفرهم به كفرهم بما أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام لأنه{[23294]} أعظم ما نقضوا فيه وأخص من مطلق النقض { وقتلهم الأنبياء } وهو أعظم من مطلق كفرهم ، لأن ذلك سد لباب الإيمان عنهم وعن غيرهم ، لأن الأنبياء سبب الإيمان وفي محو{[23295]} السبب {[23296]}محو المسبب{[23297]} .
ولما كان الأنيباء معصومين من كل نقيصة ، ومبرئين من كل دنية ، لا يتوجه عليهم حق لا يؤدونه ؛ قال{[23298]} : { بغير حق } أي كبير ولا صغير أصلاً . وهذا الحرف - لكونه في سياق طعنهم في القرآن الذي هو أعظم الآيات - وقع التعبير فيه أبلغ مما في آل عمران الذي هو أبلغ مما سبق{[23299]} عليه ، لأن هذا مع جمع{[23300]} الكثرة وتنكير الحق عبر فيه بالمصدر المفهم لأن الاجتراء على القتل صار لهم خلقاً وصفة راسخة ، بخلاف ما مضى ، فإنه بالمضارع الذي ربما دل على العروض ؛ ثم ذكر أعظم من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى فقال : { وقولهم قلوبنا غلف } أي لا ذنب لنا لأن قلوبنا خلقت من أصل الفهم بعيدةً عن فهم مثل ما يقول الأنبياء ، لكونها في أغشية ، فهي شديدة الصلابة ، وذلك سبب قتلهم ورد قولهم ، وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبي الكريم ، ويشهدون له بالرسالة وبأنه خاتم الأنبياء ، ويصفون بأشهر صفاته ، ويترقبون إتبانه ، لا جرم رد الله عليهم بقوله عطفاً على ما تقديره : وقد كذبوا لأنهم ولدوا على الفطرة كسائر الولدان ، فلم تكن{[23301]} قلوبهم في الأصل غلفاً : { بل طبع الله } أي الذي له معاقد العز ومجامع العظمة { عليها } طبعاً عارضاً{[23302]} { بكفرهم } بل{[23303]} إنه خلقها أولاً على الفطرة متمكنة من اختيار الخير والشر ، فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم له من قبول النقض - عن الخير ، واختاروا{[23304]} الشر باتباع{[23305]} شهواتهم الناشئة من نفوسهم ، وترك{[23306]} ما تدعو إليه عقولهم ، طبع سبحانه وتعالى عليها .
فجعلها قاسية محجوبة عن رحمته ، ولذا{[23307]} سبب عنه قوله : { فلا يؤمنون } أي يجددون الإيمان في وقت من الأوقات الآتية ، ويجوز أن يتعلق بما تقديره تتمة لكلامهم : طبع الله عليها فهي لا تعي{[23308]} ، وتكون " بل " استدراكاً للطبع بالكفر{[23309]} وحده ، لأنه ربما انضم إليه ، وأن يكون أضرب عن قولهم : إنها في غلف ، لكون ما في الغلاف قد يكون مهيئاً لإخراجه من الغلاف{[23310]} إلى الطبع الذي من شأنه الدوام { إلا قليلاً * } من الإيمان بأن يؤمنوا وقتاً يسيراً{[23311]} كوجه النهار{[23312]} ويكفروا{[23313]} في غيره ، ويؤمنوا{[23314]} ببعض ويكفروا ببعض ، أو إلا إناساً قليلاً منهم - كما كان{[23315]} أسلافهم يؤمنون بما يأتي به موسى عليه الصلاة والسلام من الآيات ، ثم لم يكن بأسرع من كفرهم وتعنتهم بطلب آية أخرى كما{[23316]} هو مذكور في توراتهم{[23317]} التي بين أظهرهم ، ونقلت كثيراً منه في هذا الكتاب ، فقامت الحجة عليهم بأنهم يفرقون بين قدرتهم على الإيمان وقدرتهم على الطيران .