ويسكت سياق القصة بعد هذا عن السنوات الطوال ما بين مولد موسى - عليه السلام - والحلقة التالية التي تمثل شبابه واكتماله . فلا نعلم ماذا كان بعد رده إلى أمه لترضعه . ولا كيف تربى في قصر فرعون . ولا كيف كانت صلته بأمه بعد فترة الرضاعة . ولا كيف كان مكانه في القصر أو خارجه بعد أن شب وكبر إلى أن تقع الأحداث التالية في الحلقة الثانية . ولا كيف كانت عقيدته ، وهو الذي يصنع على عين الله ، ويعد لوظيفته ، في وسط عباد فرعون وكهنته . .
يسكت سياق القصة عن كل هذا ويبدأ الحلقة الثانية مباشرة حين بلغ أشده واستوى ، فقد آتاه الله الحكمة والعلم ، وحزاه جزاء المحسنين :
( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما . وكذلك نجزي المحسنين ) . .
وبلوغ الأشد اكتمال القوى الجسمية . والاستواء اكتمال النضوج العضوي والعقلي . وهو يكون عادة حوالي سن الثلاثين . فهل ظل موسى في قصر فرعون ، ربيبا ومتبنى لفرعون وزوجه حتى بلغ هذه السن ? أم إنه افترق عنهما ، واعتزل القصر ، ولم تسترح نفسه للحياة في ظل تلك الأوضاع الآسنة التي لا تستريح لها نفس مصفاة مجتباة كنفس موسى - عليه السلام - ? وبخاصة أن أمه لا بد أن تكون قد عرفته من هو ومن قومه وما ديانته . وهو يرى كيف يسام قومه الخسف البشع والظلم الشنيع ، والبغي اللئيم ؛ وهو يرى أبشع صورة للفساد الشائع الأثيم .
ليس لدينا من دليل . ولكن سياق الحوادث بعد هذا يلهم شيئا من هذا كما سيجيء ؛ والتعقيب على إتيانه الحكمة والعلم : ( وكذلك نجزي المحسنين )يشي كذلك بأنه أحسن فأحسن الله إليه بالحكمة والعلم :
{ ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين( 14 ) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين( 15 ) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ( 16 ) قال رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيرا للمجرمين( 17 ) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين( 18 ) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين( 19 ) } .
أشد : قوته ، ما بين 18-30 سنة ، كما في القاموس ، وقال البيضاوي : هو من 30-40 سنة .
واستوى : واعتدل وبلغ المبلغ الذي لا يزاد عليه ، واستوى الرجل : بلغ أشده ، أو أربعين سنة .
14- { ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } .
سكت القرآن عن الحلقة التالية لحلقة الرضاعة ، وقد كانت هذه الحلقة في كفالة الفرعون ، وقد يلقب موسى بن فرعون ، لكن آيات القرآن تشير إلى رعاية الله له وإلقاء المحبة عليه ، كما قال تعالى : { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } [ طه : 39 ] .
فلا بد أن أمه أخبرته بحقيقة نسبه ، وعشيرته ، والمتوقع أن طبيعة موسى الكريمة تأنف ظلم فرعون وبطشه ، وغشمه ، والمتوقع أن فجوة ما تحدث بين موسى وبين فرعون وحاشيته ، بسبب سلوك موسى الكريم ، الآنف من الظلم .
وتشير الآية إلى أن موسى قد بلغ مبلغ الرجال ، { واستوى } بلغ غاية الكمال الجسمي والعقلي .
قال بعض المفسرين : بلغ أربعين سنة ، وقال بعضهم : ثلاثين سنة ، ونختار أن تكون سنه في ذلك الوقت مقاربة للثلاثين ، لأنه مكث في أرض مدين عشر سنين ثم عاد إلى مصر ، فاختاره الله رسولا .
أي : سيرة الحكماء والعلماء وأخلاقهم وسمتهم قبل البعثة .
أي : وبمثل هذا الفضل والرعاية ، والمعونة والخير ، نجزي كل محسن في عمله ، بأن نفتح له أبواب الفتوح والحكمة والعلم .
ونلاحظ أن هذه الآية من المتشابه ، حيث قال تعالى في سورة يوسف : { ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } [ يوسف : 22 ] .
ونلمح أن يوسف هنا بلغ مبلغ الرجال ، أي : فيما بين العشرين والثلاثين فهو أقرب إلى سن الخامسة والعشرين .
وفي سورة القصص قال تعالى : { ولما بلغ أشده ، واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } .
فهذه الآية زادت كلمة : واستوت ، أي : اكتمل جسمه وعقله ورشده ، فهو أقرب إلى سن الثلاثين ، وقد تعددت آراء العلماء في بلوغ الأشد والاستواء .
عن ابن عباس : الأشد ما بين الثامنة عشرة والثلاثين ، والاستواء ما بين الثلاثين والأربعين .
وقال مجاهد : الأشد في الثلاثين ، والاستواء في الأربعين .
وقال الزجاج : الأشد ما بين الثلاثين والأربعين .
بلوغ الأشد في الأصل الانتهاء إلى حد القوة وذلك وقت تمام النمو وغايته ، والاستواء تمام العقل وكماله ونضجه ، وذلك يختلف باختلاف الأقاليم والعصور والأحوال ، ولذا وقع له تفاسير كثيرة في كتب اللغة والتفسير .
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } من القوة والعقل واللب ، وذلك نحو أربعين سنة في الغالب ، { وَاسْتَوَى } كملت فيه تلك الأمور { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } أي : حكما يعرف به الأحكام الشرعية ، ويحكم به بين الناس ، وعلما كثيرا .
{ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } في عبادة اللّه المحسنين لخلق اللّه ، نعطيهم علما وحكما بحسب إحسانهم ، ودل هذا على كمال إحسان موسى عليه السلام .
ولما استقر الحال ، على هذا المنوال ، علم أنه ليس بعده إلا الخير والإقبال ، والعز بتبني فرعون له والجلال ، فترك ما بينه وبين السن الصالح للإرسال ، وقال مخبراً عما بعد ذلك من الأحوال : { ولما بلغ أشده } أي مجامع قواه وكمالاته { واستوى } أي اعتدل في السن وتم استحكامه بانتهاء الشباب ، وهو من العمر ما بين إحدى وعشرين سنة إلى اثنتين وأربعين ، فتم بسبب ذلك في الخلال الصالحة التي طبعناه عليها ؛ وقال الرازي : قال الجنيد : لما تكامل عقله ، وصحت بصيرته ، وصلحت نحيرته ، وآن أوان خطابه - أنتهى . أي وصار إلى الحد الذي لا يزاد الإنسان بعده غريزة من الغرائز لم تكن فيه أيام الشباب ، بل لا يبقى بعد ذلك إلا الوقوف ثم النقصان { آتيناه } أي خرقاً للعادة أسوة إخوانه من الأنبياء ابتداء غرائز منحناه إياها من غير اكتساب أصلاً { حكماً } أي عملاً محكماً بالعلم { وعلماً } أي مؤيداً بالحكمة ، تهيئة لنبوته ، وإرهاصاً لرسالته ، جزيناه بذلك على ما طبعناه عليه من الإحسان ، فضلاً منا ومنه ، واختار الله سبحانه هذا السن للإرسال ليكون - كما أشير إليه - من جملة الخوارق ، لأنه يكون به ابتداء الانتكاس الذي قال الله تعالى فيه { ومن نعمره - أي إلى اكتمال سن الشباب - ننكسه في الخلق } أي نوقفه ، فلا يزاد بعد ذلك في قواه الظاهرة ولا الباطنة شيء ، ولا توجد فيه غريزة لم تكن موجودة أصلا عشر سنين ، ثم يأخذ في النقصان - هذه عادة الله في جميع بني آدم إلا الأنبياء ، فإنهم في حد الوقوف يؤتون من بحار العلوم ما يقصر عنه الوصف بغير اكتساب ، بل غريزة يغرزها الله فيهم حينئذ ، ويؤتون من قوة الأبدان أيضاً بمقدار ذلك ، ففي وقت انتكاس غيرهم يكون نموهم ، وكذا من ألحقه الله بهم من صالحي أتباعهم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة يس من تمام هذا المعنى ما يفتح الله به لمن تأمله أبواباً من العلم ، ولذلك قال الله تعالى عاطفاً على ما تقديره : فعلنا به ذلك وبأمه جزاء لهما على إحسانهما في إخلاصهما فيما يفعلانه اعتماداً على الله وحده من غير أدنى التفات إلى ما سواه : { وكذلك } أي ومثل هذا الجزاء العظيم { نجزي المحسنين* } أي كلهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.