في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (7)

1

ثم يمضي السياق في تعريف البشر بربهم ، وإطلاعهم على آثار قدرته وحكمته . في خلق السماوات والأرض بنظام خاص في أطوار أو آماد محكمة ؛ لحكمة كذلك خاصة . يبرز منها السياق هنا ما يناسب البعث والحساب والعمل والجزاء :

( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وكان عرشه على الماء ، ليبلوكم أيكم أحسن عملا . ولئن قلت : إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا : إن هذا إلا سحر مبين ) . .

وخلق السماوات والأرض في ستة أيام تحدثنا عنه في سورة يونس . . وهو يساق هنا للربط بين النظام الذي يقوم عليه الكون والنظام الذي تقوم عليه حياة الناس .

( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) .

والجديد هنا في خلق السماوات والأرض هو الجملة المعترضة : ( وكان عرشه على الماء )وما تفيده من أنه عند خلق السماوات والأرض أي إبرازهما إلى الوجود في شكلهما الذي انتهيا إليه كان هناك الماء ؛ وكان عرش الله سبحانه على الماء . .

أما كيف كان هذا الماء ، وأين كان ، وفي أية حالة من حالاته كان . وأما كيف كان عرش الله على هذا الماء . . فزيادات لم يتعرض لها النص ، وليس لمفسر يدرك حدوده أن يزيد شيئا على مدلول النص ، في هذا الغيب الذي ليس لنا من مصدر لعلمه إلا هذا النص وفي حدوده .

وليس لنا أن نتلمس للنصوص القرآنية مصداقا من النظريات التي تسمى " العلمية " - حتى ولو كان ظاهر النص يتفق مع النظرية وينطبق - فالنظريات " العلمية " قابلة دائما للانقلاب رأسا على عقب ، كلما اهتدى العلماء إلى فرض جديد ، وامتحنوه فوجدوه أقرب إلى تفسير الظواهر الكونية من الفرض القديم الذي قامت عليه النظرية الأولى . والنص القرآني صادق بذاته ، اهتدى العلم إلى الحقيقة التي يقررها أم لم يهتد . وفرق بين الحقيقة العلمية والنظرية العلمية . فالحقيقة العلمية قابلة للتجربة - وإن كانت دائما احتمالية وليست قطعية - أما النظرية العلمية فهي قائمة على فرض يفسر ظاهرة كونية أو عدة ظواهر ، وهي قابلة للتغيير والتبديل والانقلاب . . ومن ثم لا يحمل القرآن عليها ولا تحمل هي على القرآن ، فلها طريق غير طريق القرآن . ومجال غير مجال القرآن .

وتلمس موافقات من النظريات " العلمية " للنصوص القرآنية هو هزيمة لجدية الإيمان بهذا القرآن واليقين بصحة ما فيه ، وأنه من لدن حكيم خبير . هزيمة ناشئة من الفتنة " بالعلم " وإعطائه أكثر من مجاله الطبيعي الذي لا يصدق ولا يوثق به إلا في دائرته . فلينتبه إلى دبيب الهزيمة في نفسه من يحسب أنه بتطبيق القرآن على " العلم " يخدم القرآن ويخدم العقيدة ، ويثبت الإيمان ! إن الإيمان الذي ينتظر كلمة العلم البشري المتقلبة ليثبت لهو إيمان يحتاج إلى إعادة النظر فيه ! إن القرآن هو الأصل والنظريات العلمية توافقه أو تخالفه سواء . أما الحقائق العلمية التجريبية فمجالها غير مجال القرآن . وقد تركها القرآن للعقل البشري يعمل فيها بكامل حريته ، ويصل إلى النتائج التي يصل إليها بتجاربه ، ووكل نفسه بتربية هذا العقل على الصحة والاستقامة والسلامة ، وتحريره من الوهم والأسطورة والخرافة . كما عمل على إقامة نظام للحياة يكفل لهذا العقل أن يستقيم ، وأن يتحرر ، وأن يعيش في سلام ونشاط . . ثم تركه بعد ذلك يعمل في دائرته الخاصة . ويصل إلى الحقائق الجزئية الواقعية بتجاربه . ولم يتعرض لذكر شيء من الحقائق العلمية إلا نادرا . مثل أن الماء أصل الحياة والعنصر المشترك في جميع الأحياء . ومثل أن جميع الأحياء أزواج حتى النبات الذي يلقح من نفسه فهو يحتوي على خلايا التذكير والتأنيث . . . وأمثال هذه الحقائق . التي صرحت بها النصوص القرآنية .

ونعود من هذا الاستطراد إلى النص القرآني نتملاه في مجاله الأصيل . مجال بناء العقيدة وتصريف الحياة :

( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام - وكان عرشه على الماء - ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) . .

خلق السماوات والأرض في ستة أيام . . وهنا فقرات كثيرة محذوفة يشير إليها ما بعدها فيغني عنها . . خلقها في هذا الأمد ، لتكون صالحة ومجهزة لحياة هذا الجنس البشري ، وخلقكم وسخر لكم الأرض وما يفيدكم من السماوات . . وهو سبحانه مسيطر على الكون كله . . ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) . . والسياق يظهر كأن خلق السماوات والأرض في ستة أيام - مع سيطرة الله سبحانه على مقاليده - كان من أجل ابتلاء الإنسان . ليعظم هذا الابتلاء ويشعر الناس بأهميتهم وبجدية ابتلائهم .

وكما جهز الخالق هذه الأرض وهذه السماوات بما يصلح لحياة هذا الجنس ، جهز هذا الجنس كذلك باستعدادات وطاقات ؛ وبنى فطرته على ذات القانون الذي يحكم الكون ؛ وترك له جانبا اختياريا في حياته ، يملك معه أن يتجه إلى الهدى فيعينه الله عليه ويهديه ، أو أن يتجه إلى الضلال فيمد الله له فيه ، وترك الناس يعملون ، ليبلوهم أيهم أحسن عملا . يبلوهم لا للعلم فهو يعلم . ولكن يبلوهم ليظهر المكنون من أفعالهم ، فيتلقوا جزاءهم عليها كما اقتضت إرادة الله وعدله . ومن ثم يبدو التكذيب بالبعث والحساب والجزاء عجيبا غريبا في هذا الجو . بعدما يذكر أن الابتلاء مرتبط بتكوين السماوات والأرض . أصيل في نظام الكون وسنن الوجود .

ويبدو المكذبون به غير معقولين وغير مدركين للحقائق الكبيرة في تكوين هذا الوجود ، وهم يعجبون لهذه الحقائق وبها يفاجأون :

( ولئن قلت : إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا : إن هذا إلا سحر مبين ) . .

فما أعجبها قولة ، وما أغربها ، وما أكذبها في ظل هذا البيان الذي تقدمها !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (7)

المفردات :

ليبلوكم : ليختبركم .

التفسير :

7 { وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ . . . } الآية .

تشير الآية : إلى أن خلق الكون قد مر بفترات زمنية طويلة جدا ، ولم يكن في ذلك الوقت شمس أو قمر ، أو ليل أو نهار ، ويرى بعض المفسرين أن معنى الآية : في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا .

ونجد القرآن الكريم : { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } . ( الحج : 47 ) .

ويقول سبحانه : { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } . ( المعارج : 4 ) .

ويقول عز شأنه : { في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } ( السجدة : 5 ) .

وقد فسر بعضهم خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، على أنها تعني : مراحل ، أو فترات طويلة ، أو عصور .

وفي الآيات9 12 من سورة فصلت ، يقول سبحانه :

{ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِين *ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }

ويقول عز شأنه :

{ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَ أَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ } . ( النازعات : 27 33 ) .

ويقول بعض المفسرين : أن الدحو غير الخلقة ، فيمكن أن تكون الأرض قد خلقت غير مدحوة ثم أتم الله خلق السماء ، وبعد ذلك أتم خلق الأرض فدحاها ، ويسر لها الماء والمرعى والجبال ، والتأمل في الآيات العديدة ، التي تحدثت عن خلق السماوات والأرض ، وعن خلق الكون ، يجعلنا نخلص إلى النقاط الآتية :

1 وجود مراحل ستة للخلق عموما .

2 تداخل مراحل خلق السماوات مع مراحل الأرض .

3 خلق الكون ابتداء من كومة أولية فريدة ، كانت تشكل كتلة متماسكة ، انفصلت أجزاؤها بعد ذلك .

4 تعدد السماوات وتعدد الكواكب التي تشبه الأرض .

5 وجود خلق وسيط بين السماوات والأرض .

6 إن المطابقة واضحة بين مفهوم السديم الأولى في العلم الحديث ، والدخان على حسب القرآن للدلالة على الحالة الغازية للمادة التي كونت الكون في هذه المرحلة الأولى .

{ وكان عرشه على الماء } . تفيد آيات أخرى : أن الماء أصل جميع الحياة والأحياء . قال تعالى : { وجعلنا من الماء كل شيء حي } ( الأنبياء : 30 ) .

وفي صحيح مسلم : عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء ) . 4

قال مجاهد : { وكان عرشه على الماء } قبل أن يخلق شيئا .

وقال ابن عباس : إنما سمّى العرش عرشا ؛ لارتفاعه .

وعن سعيد بن جبير : سئل ابن عباس عن قول الله : { وكان عرشه على الماء } ؛ على أي شيء كان الماء ؟ قال : على متن الريح . 5

أصل الحياة :

شغلت هذه المسألة الإنسان في كل العصور سواء ما كان يخصه منها أو ما يخص الكائنات المحيطة به ، وعندما يواجه القرآن أصل الحياة على مستوى عام تماما ، فإنه يذكر ذلك بإيجاز بالغ مثل قوله : { أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون } . ( الأنبياء : 30 ) .

والرتق : ضد الفتق ، ومعنى{ كانتا رتقا } . أي : كانتا ملتصقتين ، ففتق الله هذه من هذه ، فرفع الله السماء ووضع الأرض وفصل بينهما بالهواء ، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض ، قال تعالى : { وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا تؤمنون } . والعبارة يمكن أن تعني : أن كل شيء مصدره الماء كمادة جوهرية ، أو أن أصل كل شيء حي هو الماء ويتفق هذان المعنيان تماما مع العلم ، فالثابت بالتحديد أن أصل الحياة مائي ، وأن الماء هو العنصر الأول لكل خلية حية ، فلا حياة ممكنة بلا ماء ، وإذا ما نوقشت إمكانية الحياة على كوكب ما ، فإن أول سؤال يطرح هو : أيحتوي هذا الكوكب على كمية كافية للحياة عليه ؟ وتسمح المعطيات الحديثة بالاعتقاد بأن أقدم الكائنات الحية كانت تنتمي إلى عالم النبات ؛ فقد اكتشفت طحالب ترجع إلى ما قبل العصر الكمبري ، أي : في أقدم الأراضي المعروفة ، ولابد أن عناصر عالم الحيوان قد ظهرت بعد ذلك بقليل ، وقد أتت أيضا في المحيطات .

وتشير كلمة ماء إلى : ماء السماء ، كما تعني : ماء المحيطات أو أي سائل آخر ، وبالمعنى الأول ؛ فالماء هو العنصر اللازم لأي حياة نباتية .

قال تعالى : { وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } . ( طه : 53 ) .

إن كلمة ماء بمعناها الثاني ، أي : ذلك الذي يعنى : ( سائل ) دون أي تحديد ، مستخدمة في شكلها غير المحدد للدلالة على ما هو أصل تشكل أي حيوان .

قال تعالى : { والله خلق كل دابة من ماء } . ( النور : 45 ) .

وتنطبق كلمة ماء هنا أيضا على : السائل المنوي6 وسواء كان المقصود هو أصل الحياة عموما أو العنصر الذي يجعل النباتات تولد في التربة ، أو كان المقصود هو : بذرة الحيوان ؛ فإن كل عبارات القرآن تتفق تماما مع المعطيات العلمية الحديثة ، ولا مكان مطلقا في نص القرآن لأي خرافة من الخرافات التي كانت منتشرة في عصر تنزيل القرآن الكريم . 7

ويمكن أن تدل جملة : { وكان عرشه على الماء } ، على معنى : وكان ملكه قائم وثابت لأصل هذا الكون وأساس كل شيء في هذه الحياة ، وهو مدلول : كان الله ولا شيء معه ؛ فهو سبحانه أول بلا ابتداء ، وآخر بلا انتهاء ، وهو الذي أوجد الخلق من العدم ، وهو يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، ويكون معنى { وجعلنا من الماء كل شيء حي } . أي : أصل كل الأحياء .

أخرج الإمام أحمد : عن أبي هريرة قال : يا رسول الله ، إني رأيتك ، طابت نفسي ، وقرت عيني ! فأنبئني عن كل شيء ؛ قال : ( كل شيء خلق من ماء ) ، قال : قلت : أنبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة ؟ قال : ( أفش السلام وأطعم الطعام ، وصل الأرحام ، وقم بالليل والناس نيام ؛ ثم ادخل الجنة بسلام ) ، 8 وفي نهاية المطاف نجد أن المسلم مطالب بالإيمان بالمحكم ، والتفويض إلى الله في المتشابه ، والتسليم بصدق ما أخبر به القرآن ، وإن عجز العقل المحدود عن تحديد المقصود .

قال تعالى : { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ } . ( آل عمران : 7 ) .

أقوال المفسرين :

جاء في تفسير المراغي لهذه الآية :

والخلاصة : أن الماء أصل جميع الأحياء وهو الذي ينزل إليه أمر التدبير والتكوين . 9

خلاصة ما ورد في تفسير المنار للسيد رشيد رضا :

{ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام } . من أيام الله تعالى في الخلق والتكوين وما شاء من الأطوار ، لا من أيامنا في هذه الدار التي وجدت بهذا الخلق لا قبله ، فلا يصح أن تقدر أيام الله بأيامها كما توهم الغافلون عن هذا وما يؤيده من قوله : { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } . ( الحج : 47 ) . وقوله : { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } . ( المعارج : 4 ) . وقد ثبت في علم الهيئة الفلكية أن أيام غير الأرض من الدراري التابعة لنظام شمسنا هذه تختلف عن أيام هذه الأرض في طولها ، بحسب اختلاف مقادير أجرامها وأبعادها ، وسرعتها في دورانها ، وأن أيام التكوين بخلقه من الدخان المعبر عنه : بالسديم شموسا مضيئة ، تتبعها كواكب منيرة يقدر اليوم منها بآلاف الألوف من سنينا ، بل من سني سرعة الضوء أيضا .

{ وكان عرشه على الماء } . أي : وكان سرير ملكه في أثناء هذا الطور من خلق هذا العالم أو من قبله على الماء .

والمعنى : الكلي المفهوم من العرش : أنه مركز نظام الملك ، ومصدر التدبير له ، وأن المتبادر في الاستعمال اللغوي استعمالهم : استوى على عرشه بمعنى : ملك أو استقام أمر الملك له ، وثل عرشه : بمعنى : هلك وزال ملكه . ونحن نعلم أن عروش ملوك البشر تختلف مادة وشكلا وهي من عالم الشهادة ، وصنع أيدي البشر ، كذلك يختلف النظام للتدبير الذي يصدر عنها فعرش ملكة سبإ العربية العظيم ، كان أعظم من عرش سليمان ملك إسرائيل ، ولكن تدبيرها وحكمها الشورى ( الديمقراطي ) كان دون حكمه الشرعي الديني ، ورب عرش من الذهب ، وعرش من الخشب ، وأما عرش الرحمان عز وجل فهو من عالم الغيب الذي لا ندركه بحواسنا ، ولا نستطيع تصويره بأفكارنا ، فأجدر بنا ألا نعلم كنه استوائه عليه ، وصدور تدبيره لأمر هذا الملك العظيم عنه ، وحسبنا أن نفهم الجملة 10 ونستفيد العبرة فما أجهل الذين تصدوا لتأويل هذه الحقائق الغيبية بأقيستهم وآرائهم البشرية ، وما أحسن ما روى عن أم سلمة رضي الله عنها وربيعة ومالك ، من قولهم : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول .

وأما قوله تعالى : { وكان عرشه على الماء } . فنفهم منه أن الذي كان دون هذا العرش ، من مادة هذا الخلق قبل تكوين السماوات والأرض أو في أثنائه هو هذا الماء ، الذي أخبرنا الله عز وجل أنه جعله أصلا لخلق جميع الأحياء ، إذ قال : { أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون } . ( الأنبياء : 30 ) .

والمعنى : ألم يعلموا أن السماوات والأرض كانتا مادة واحدة متصلة ، لا فتق ولا انفصال ، وهو ما يسمى في عرف علماء الفلك : بالسديم ، وبلغة القرآن : بالدخان ، { ففتقاهما } بفصل بعضها عن بعض ، فكان منها ما هو سماء : ومنها ما هو أرض { وجعلنا من الماء } في المقابلة لحياة الأحياء { كل شيء حي أفلا يؤمنون } بأن الرب الفاعل لهذا ، هو الذي يعبد وحده ولا يشرك به شيء ، وأنه قادر على إعادة الخلق كبدئه ؛ فيفهم من هنا وذك : أن الذي كان تحت العرش فينزل إليه أمر التدبير والتكوين منه ؛ هو الماء الذي هو أصل لجميع الأحياء لا ما تخيله بعض المفسرين الفنيين في الماء والعرش ، مما تأباه اللغة والعقل والشرع ، والعبادة ليس نصا في أن ذات العرش المخلوق كان على متن الماء ، كالسفن التي نراها راسية فيه الآن كما قيل ، فإن فائدة الإخبار بمثل هذا إن كان واقعا في ذلك العهد ، هو دون فائدة ما ذكرنا من معنى العرش الذي بيناه ، وهو الذي يزيدنا معرفة بربنا وبحكمه في خلقه ، وهو الذي يتفق مع نظريات علم التكوين11 وعلم الحياة ، وعلم الهيئة الفلكية ، وما ثبت من التجارب فيها ، وهذا يعد من عجائب القرآن التي تظهر في كل زمان ومكان . 12

ثم قال السيد رشيد رضا :

فأصل السديم المشار إليه بقوله تعالى : { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) .

وأصل خلق الأحياء النباتية والحيوانية من الماء لا يزال ثابتا عند جميع العلماء . وقد عبر به عن مادة التكوين ، التي هي مادة خراب العالم ، التي ترجع به هذه الأجرام إلى مادتها الأصلية بقوله تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } ( الدخان : 10 ) . وعبر عنه كذلك : بالغمام في قوله { ويم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا } . ( الفرقان : 52 ) . وقوله : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ والملائكة } . ( البقرة : 210 ) .

والغمام في اللغة : السحاب الرقيق ، فالدخان والغمام والبخار والسديم كلها مظاهر لهذه المادة اللطيفة ( الماء ) .

والسديم في اللغة : الغمام والضباب ، واختاره علماء الفلك على الدخان وغيره ولا مشاحة في الاصطلاح . 13

وجاء في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب ما يأتي :

وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام { وكان عرشه على الماء } . لقد أخبرنا الله تعالى : أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام في سورة يونس ، والجديد هنا في خلق السماوات والأرض هو الجملة المعترضة : { وكان عرشه على الماء } . وما تفيد من أنه عند خلق السماوات والأرض أي : إبرازهما إلى الوجود في شكلهما الذي انتهيا إليه ، كان هناك الماء وكان عرش الله سبحانه على الماء . أما كيف كان هذا الماء ، وأين كان ، وفي أية حالة من حالاته كان ، وأما كيف كان عرش الله على هذا الماء ؟ ؟ فزيادات لم يتعرض لها النص وليس لمفسر يدرك حدوده أن يزيد شيئا على مدلول النص ، في هذا الغيب الذي ليس لنا من مصدر لعلمه إلا هذا النص وفي حدوده . وليس لنا أن نتلمس للنصوص القرآنية مصداقا من النظريات التي تسمى : ( العلمية ) حتى ولو كان ظاهر النص يتفق مع النظرية وينطبق ؛ فالنظريات العلمية قابلة دائما للانقلاب رأسا على عقب . . .

إن القرآن هو الأصل ، والنظريات العلمية توافقه أو تخالفه سواء ؛ أما الحقائق العلمية التجريبية فمجالها غير مجال القرآن ، وقد تركها القرآن للعقل البشري يعمل فيها بكامل حريته ، ويصل إلى النتائج التي يصل إليها بتجاربه ، ووكل نفسه بتربية هذا العقل على الصحة والاستقامة والسلامة ، وتحريره من الوهم والأسطورة والخرافة . 14

{ ليبلوكم أيكم أحسن عملا } لقد خلق الله الكون في ستة أيام وأتم إعماره وتجهيزه للإنسان ، وهو سبحانه مسيطر على الكون كله { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } . والسياق يظهر أن خلق السماوات والأرض ، وإحكام نظام هذا الكون مع سيطرة الله تعالى على مقاليده ؛ كان من أجل الإنسان واختباره ، وقد أمد الله الإنسان بالعقل والإرادة والاختيار ، والاستعداد للاستقامة والانحراف ؛ ليجزي كل عامل بما عمل ، { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا } . ( الكهف : 7 ) .

لقد خلق الله الكون وأمده بمقومات الحياة ، وسيطر بقدرته على هذا الملك العظيم ، ثم خلق الإنسان ووهبه العقل والتفكير والاختيار ، والقدرة على عمل الخير والشر ، ثم أعد حياة أخرى للحساب والجزاء ، ومثوبة الطائع ومعاقبة العاصي ، ولكن الكافرين ينكرون البعث والحشر ! ! !

{ ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين } .

أي : ولئن أخبرت هؤلاء المشركين : أن الله سيبعثهم بعد مماتهم للحساب والجزاء ليجيبنك الذي كفروا بلقاء الله قائلين : ما هذا القول إلا سحر بين ظاهر ، تسحر به العقول ، وتسحر به الضمائر والقلوب ؛ لتمنعنا عن لذات الدنيا وتصرفنا عن متعنا إلى دعوتك ، وقد ألف الناس إطلاق السحر على كل أمر بديع غريب فائق ، ومن ذلك قو ل فرعون وملئه لموسى : { يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون } . ( الزخرف : 49 ) . وفي الحديث : ( إن من البيان لسحرا ) وكأن الكفار أحسوا بما في القرآن من الروعة والجلال والمقدرة الفائقة ، والسيطرة على النفوس ، الأخذ بزمام الأفئدة ، فادعوا أنه : سحر يؤثر ونسبوه إلى المردة والشياطين ؛ لأنه فوق طاقة البشر ، ولو أنصفوا لقالوا : إنه وحي السماء وكلام الله رب العالمين .

من بدع التفسير :

قال النسفي : { وهو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام } من الأحد إلى الجمعة ؛ تعليما للتأني { وكان عرشه على الماء } أي : يعني : ما كان تحته قبل خلق السماوات والأرض إلا الماء ، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السماوات والأرض . قيل : بدأه بخلق ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة ؛ فصارت ماء ، ثم خلق ريحا فأقر الماء على متنه ، ثم وضع عرشه على الماء ، وفي وقوف العرش على الماء أعظم اعتبار لأهل الأفكار . 15

ونلاحظ أن كثيرا مما يتعلق بأخبار بدء الخليقة ، قد نقله المفسرون عن الإسرائيليات ، وهي أخبار نقلت عن بني إسرائيل ، وقد أمرنا نبينا قائلا : ( لا تصدقوا أهل الكتاب ، ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالذي أنزل إلينا ، وأنزل إليكم ، وإلهنا وإلهكم واحد ) . 16

أقسام الإسرائيليات :

تنقسم الأخبار الإسرائيلية إلى أقسام ثلاثة :

القسم الأول : ما يعلم صحته لموافقته للقرآن أو السنة الصحيحة ، مثل : تعيين صاحب موسى بأنه الخضر ، فقد جاء هذا الاسم صريحا في حديث البخاري17 وهذا القسم صحيح ومقبول .

القسم الثاني : ما يعلم كذبه بأن يناقض ما عرفناه من شرعنا ، أو يكون مخالفا لما يقرره العقل ، وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته .

القسم الثالث : هو السكوت عنه فلا هو من قبيل الأول ، ولا هو من قبيل الثاني ، وهذا القسم نتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه . 18

وغالبا هذا القسم الثالث مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني ، ولهذا يختلف أهل الكتاب فيه كثيرا ، ويختلف المفسرون عادة بسبب ذلك كما يذكرون في مثل أسماء أصحاب أهل الكهف ، ولون كلبهم ، وأسماء الطيور التي أحياها إبراهيم ، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة ، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى ، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن ، حيث لا فائدة منه تعود على المكلفين في دنياهم أو دينهم ، ولكن نقل الخلاف عنهم جائز ، كما قال تعالى : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم . . . } إلى آخر الآية . ( الكهف : 22 ) .

ويقول أحمد شاكر : إن إباحة التحدث عنهم شيء ، وذكر ذلك في تفسير القرآن شيء آخر ؛ إذ أنه يوهم البيان والتفصيل لكتاب الله ، وحاشا لله ولكتابه من ذلك . 19

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (7)

{ 7 - 8 } { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }

يخبر تعالى أنه { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة { و } حين خلق السماوات والأرض { كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } فوق السماء السابعة .

فبعد أن خلق السماوات والأرض استوى عليه ، يدبر الأمور ، ويصرفها كيف شاء من الأحكام القدرية ، والأحكام الشرعية . ولهذا قال : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } أي : ليمتحنكم ، إذ خلق لكم ما في السماوات والأرض بأمره ونهيه ، فينظر أيكم أحسن عملا .

قال الفضيل بن عياض رحمه الله : " أخلصه وأصوبه "

قيل يا أبا علي : " ما أخلصه وأصوبه " ؟ .

فقال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا ، لم يقبل .

وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ، حتى يكون خالصا صوابا .

والخالص : أن يكون لوجه الله ، والصواب : أن يكون متبعا فيه الشرع والسنة ، وهذا كما قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }

وقال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } فالله تعالى خلق الخلق لعبادته ومعرفته بأسمائه وصفاته ، وأمرهم بذلك ، فمن انقاد ، وأدى ما أمر به ، فهو من المفلحين ، ومن أعرض عن ذلك ، فأولئك هم الخاسرون ، ولا بد أن يجمعهم في دار يجازيهم فيها على ما أمرهم به ونهاهم .

ولهذا ذكر الله تكذيب المشركين بالجزاء ، فقال : { وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ }

أي : ولئن قلت لهؤلاء وأخبرتهم بالبعث بعد الموت ، لم يصدقوك ، بل كذبوك أشد التكذيب{[424]} ، وقدحوا فيما جئت به ، وقالوا : { إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } ألا وهو الحق المبين .


[424]:- كذا في ب، وفي أ: أشد الكذب.