في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (134)

124

وفي ضوء هذا التقرير يظهر الفارق الحاسم بين تلك الأمة التي خلت ، والجيل الذي كانت تواجهه الدعوة . . حيث لا مجال لصلة ، ولا مجال لوراثة ، ولا مجال لنسب بين السابقين واللاحقين :

( تلك أمة قد خلت ، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ، ولا تسألون عما كانوا يعملون ) . .

فلكل حساب ؛ ولكل طريق ؛ ولكل عنوان ؛ ولكل صفة . . أولئك أمة من المؤمنين فلا علاقة لها بأعقابها من الفاسقين . إن هذه الأعقاب ليست امتدادا لتلك الأسلاف . هؤلاء حزب وأولئك حزب . لهؤلاء راية ولأولئك راية . . والتصور الإيماني في هذا غير التصور الجاهلي . . فالتصور الجاهلي لا يفرق بين جيل من الأمة وجيل ، لأن الصلة هي صلة الجنس والنسب . أما التصور الإيماني فيفرق بين جيل مؤمن وجيل فاسق ؛ فليسا أمة واحدة ، وليس بينهما صلة ولا قرابة . . إنهما أمتان مختلفتان في ميزان الله ، فهما مختلفتان في ميزان المؤمنين . إن الأمة في التصور الإيماني هي الجماعة التي تنتسب إلى عقيدة واحدة من كل جنس ومن كل أرض ؛ وليست هي الجماعة التي تنتسب إلى جنس واحد أو أرض واحدة . وهذا هو التصور اللائق بالإنسان ، الذي يستمد إنسانيته من نفخة الروح العلوية ، لا من التصاقات الطين الأرضية !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (134)

المفردات :

الأمة : الجماعة ، والإشارة إلى الأنبياء الثلاثة .

خلت : مضت وذهبت .

لها ما كسبت : ما عملت .

ولكم ما كسبتم : أي أنتم مجازون بأعمالكم .

التفسير :

134- تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون .

تلك : إشارة إلى إبراهيم وبنيه .

أي أن إبراهيم وذريته أمة قد انقرضت ومضت ، لها جزاء ما كسبت من خير أو شر ، فإن من سنة الله في عباده أن يتحمل كل إنسان مسؤولية عمله وألا يجزي أحد إلا بكسبه وعمله هو ، ور يسأل عما عمل سواه .

قال تعالى : أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . ( النجم : 36-39 ) .

وجاء في الحديث : «يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم »( 314 ) .

وقال الغزالي : إذا كان الجائع يشبع إذا أكل واله دونه ، والظمآن يروي إذا شرب والده وإن لم يشرب ، فالعاصي ينجو بصلاح والده .

وقد كانت الدعوة إلى الإيمان بالله والعمل الصالح رسالة الأنبياء جميعا ، فهم هداة إلى التوحيد ودعاة إلى مكارم الأخلاق ، ومرشدون إلى إخلاص العمل لله ، وإسلام الوجه له واتباع تعاليم الإسلام .

وفي القرآن الكريم آيات صرحت بأن الإسلام للذين الذي دعا إليه كل الأنبياء ، وانتسب إليه أتباعهم ، فنوح قال لقومه : وأمرت أن أكون من المسلمين . ( يونس : 72 ) وموسى قال لقومه : يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين . ( آل عمران : 52 ) .

والحواريون قالوا لعيسى : آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون . ( يونس : 84 ) .

بل إن فريقا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن أشرقت قلوبهم لدعوته وقالوا : آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين( القصص : 53 ) .

لقد كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة ، ولبنات متراكمة في بنيان الدين والأخلاق وسياسة المجتمع ، وكانت مهمة اللبنة الأخيرة أن أكملت البنيان وملأت ما بقي من فراغ ، وأنها في الوقت نفسه كانت بمثابة حجر الزاوية الذي يمسك أركان البناء .

يقول الدكتور محمد عبد الله دراز : يجب أن نفهم أن تعديل الشريعة المتأخرة للمتقدمة ليس نقضا لها وإنما وقوفا بها عند وقتها المناسب وأجلها المقدر .

مثل ذلك كمثل ثلاثة من الأطباء جاء أحدهم إلى الطفل في الطور الأول من حياته فقصر غذاءه على اللبن .

وجاء الثاني في مرحلته التالية فقرر له طعاما لينا وطعاما نشويا خفيفا .

وجاء الثالث في المرحلة التي بعدها فأمر له بغذاء كامل .

لا ريب أن ها هنا اعترافا ضمنيا من كل واحد منهم بأن صاحبه كان موفقا كل التوثيق في علاج الحالة التي عرضت عليه ، هكذا الشرائع السماوية كلها صدق وعدل في جملتها وتفصيلها ، وكلها يصدق بعضها بعضا من أنفها إلى يائها ( 315 ) .

قال صلى الله عليه وسلم : «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وجمله إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة ، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين( 316 ) . » .