ولقد كان المشركون لا يكفون عن طلب الخوارق من رسول الله [ ص ] والسياق هنا يحكي بعض أقوالهم الدالة على جهلهم بحقيقة الرسالة وطبيعة الرسول :
( وإذا لم تأتهم بآية قالوا : لولا اجتبيتها ! ) . .
أي . . لولا ألححت على ربك حتى ينزلها ! . . أو هلا فعلتها أنت من نفسك ؟ ألست نبياً ؟ ! . .
إنهم لم يكونوا يدركون طبيعة الرسول ووظيفته ؛ كذلك لم يكونوا يعرفون أدبه مع ربه ؛ وأنه يتلقى منه ما يعطيه ؛ ولا يقدم بين يدي ربه ولا يقترح عليه ؛ ولا يأتي كذلك الشيء من عند نفسه . . والله يأمره أن يبين لهم :
( قل : إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ) . .
فلا أقترح ، ولا أبتدع ، ولا أملك إلا ما يوحيه إلي ربي . ولا آتي إلا ما يأمرني به . .
لقد كانت الصورة الزائفة للمتنبئين في الجاهليات تتراءى لهم ، ولم يكن لهم فقه ولا معرفة بحقيقة الرسالة وطبيعة الرسول :
كذلك يؤمر رسول الله [ ص ] أن يبين لهم ما في هذا القرآن الذي جاءهم به ، وحقيقته التي يغفلون عنها ، ويطلبون الخوارق المادية ، وأمامهم هذا الهدى الذي يغفلون عنه :
( هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) . .
إنه هذا القرآن . . بصائر تهدي ، ورحمة تفيض . . لمن يؤمن به ، ويغتنم هذا الخير العميم . .
إنه هذا القرآن الذي كان الجاهلون من العرب - في جاهليتهم - يعرضون عنه ، ويطلبون خارقة من الخوارق المادية مثل التي جرت على أيدي الرسل من قبل ، في طفولة البشرية ، وفي الرسالات المحلية غير العالمية ، والتي لا تصلح إلا لزمانها ومكانها ، ولا تواجه إلا الذين يشاهدونها ، فكيف بمن بعدهم من الأجيال ، وكيف بمن وراءهم من الأقوام الذين لم يروا هذه الخارقة !
إنه هذا القرآن الذي لا تبلغ خارقة مادية من الإعجاز ما يبلغه . . من أي جانب من الجوانب شاء الناس المعجزة في أي زمان وفي أي مكان . . لا يستثنى من ذلك من كان من الناس ومن يكون إلى آخر الزمان !
فهذا جانبه التعبيري . . ولعله كان بالقياس إلى العرب في جاهليتهم أظهر جوانبه - بالنسبة لما كانوا يحفلون به من الأداء البياني ، ويتفاخرون به في أسواقهم ! - ها هو ذا كان وما يزال إلى اليوم معجزاً لا يتطاول إليه أحد من البشر . تحداهم الله به وما يزال هذا التحدي قائماً . والذين يزاولون فن التعبير من البشر ، ويدركون مدى الطاقة البشرية فيه ، هم أعرف الناس بأن هذا الأداء القرآني معجز معجز . . سواء كانوا يؤمنون بهذا الدين عقيدة أو لا يؤمنون . . فالتحدي في هذا الجانب قائم على أسس موضوعية يستوي أمامها المؤمنون والجاحدون . . وكما كان كبراء قريش يجدون من هذا القرآن - في جاهليتهم - ما لا قبل لهم بدفعه عن أنفسهم - وهم جاحدون كارهون - كذلك يجد اليوم وغداً كل جاهلي جاحد كاره ما وجد الجاهليون الأولون !
ويبقى وراء ذلك السر المعجز في هذا الكتاب الفريد . . يبقى ذلك السلطان الذي له على الفطرة - متى خلي بينها وبينه لحظة ! - وحتى الذين رانت على قلوبهم الحجب ، وثقل فوقها الركام ، تنتفض قلوبهم أحياناً ؛ وتتململ قلوبهم أحياناً تحت وطأة هذا السلطان ؛ وهم يستمعون إلى هذا القرآن !
إن الذين يقولون كثيرون . . وقد يقولون كلاماً يحتوي مبادئ ومذاهب وأفكاراً واتجاهات . . ولكن هذا القرآن يتفرد في إيقاعاته على فطرة البشر وقلوبهم فيما يقول ! إنه قاهر غلاب بذلك السلطان الغلاب ! . . ولقد كان كبراء قريش يقولون لأتباعهم الذين يستخفونهم - ويقولون لأنفسهم في الحقيقة - : ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) . . لما كانوا يجدونه هم في نفوسهم من مس هذا القرآن وإيقاعه الذي لا يقاوم ! وما يزال كبراء اليوم يحاولون أن يصرفوا القلوب عن هذا القرآن بما ينزلونه لهم من مكاتيب ! غير أن هذا القرآن يظل - مع ذلك كله - غلاباً . . وما إن تعرض الآية منه أو الآيات في ثنايا قول البشر ، حتى تتميز وتنفرد بإيقاعها ، وتستولي على الحس الداخلي للسامعين ، وتنحي ما عداها من قول البشر المحير الذي تعب فيه القائلون !
ثم يبقى وراء ذلك مادة هذا القرآن وموضوعه . . وما تتسع صفحات عابرة - في ظلال القرآن - للحديث عن مادة هذا القرآن وموضوعه . . فالقول لا ينتهي والمجال لا يحد !
وماذا الذي يمكن أن يقال في صفحات ؟ !
منهج هذا القرآن العجيب ، في مخاطبة الكينونة البشرية بحقائق الوجود . . وهو منهج يواجه هذه الكينونة بجملتها ، لا يدع جانباً واحداً منها لا يخاطبه في السياق الواحد ، ولا يدع نافذة واحدة من نوافذها لا يدخل منها إليها ؛ ولا يدع خاطراً فيها لا يجاوبه ، ولا يدع هاتفاً فيها لا يلبيه !
منهج هذا القرآن العجيب ، وهو يتناول قضايا هذا الوجود ، فيكشف منها ما تتلقاه فطرة الإنسان وقلبهوعقله بالتسليم المطلق ، والتجاوب الحي ، والرؤية الواضحة . وما يطابق كذلك حاجات هذه الفطرة ، ويوقظ فيها طاقاتها المكنونة ، ويوجهها الوجهة الصحيحة .
منهج هذا القرآن العجيب ، وهو يأخذ بيد الفطرة الإنسانية خطوة خطوة ، ومرحلة مرحلة ؛ ويصعد بها - في هينة ورفق ، وفي حيوية كذلك وحرارة ، وفي وضوح وعلى بصيرة - درجات السلم في المرتقى الصاعد ، إلى القمة السامقة . . في المعرفة والرؤية ، وفي الانفعال والاستجابة ، وفي التكيف والاستقامة ، وفي اليقين والثقة ، وفي الراحة والطمأنينة . . إلى حقائق هذا الوجود الصغيرة والكبيرة . .
منهج هذا القرآن العجيب ، وهو يلمس الفطرة الإنسانية ، من حيث لا يحتسب أحد من البشر أن يكون هذا موضع لمسة ! أو أن يكون هذا وتر استجابة ! فإذا الفطرة تنتفض وتصوت وتستجيب . ذلك أن منزل هذا القرآن هو خالق هذا الإنسان الذي يعلم من خلق ، وهو أقرب إليه من حبل الوريد !
ذلك المنهج ؟ . . أم المادة ذاتها التي يعرضها القرآن في هذا المنهج . . وهنا ذلك الانفساح الذي لا يبلغ منه القول شيئاً . . ( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي ، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ، ولو جئنا بمثله مدداً ) . . ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) . .
إن الذي يكتب هذه الكلمات ، قضى - ولله الحمد والمنة - في الصحبة الواعية الدارسة لهذا الكتاب خمسة وعشرين عاماً . يجول في جنبات الحقائق الموضوعية لهذا الكتاب ؛ في شتى حقول المعرفة الإنسانية - ما طرقته معارف البشر وما لم تطرقه - ويقرأ في الوقت ذاته ما يحاوله البشر من بعض هذه الجوانب . . ويرى . . يرى ذلك الفيض الغامر المنفسح الواسع في هذا القرآن ؛ وإلى جانبه تلك البحيرات المنعزلة ، وتلك النقر الصغيرة . . وتلك المستنقعات الآسنة أيضاً !
في النظرة الكلية في هذا الوجود ، وطبيعته ، وحقيقته ، وجوانبه ، وأصله ، ونشأته ، وما وراءه من أسرار ؛ وما في كيانه من خبايا ومكنونات وما يضمه من أحياء وأشياء . . الموضوعات التي تطرق جوانب منها " فلسفة " البشر ! . .
في النظرة الكلية إلى " الإنسان " ونفسه ، وأصله ، ونشأته ، ومكنونات طاقاته ، ومجالات نشاطه ؛ وطبيعة تركيبه ، وانفعالاته ، واستجاباته ، وأحواله وأسراره . . الموضوعات التي تطرق جوانب منها علوم الحياة والنفس والتربية والاجتماع ! والعقائد والأديان . .
في النظرة إلى نظام الحياة الإنسانية ؛ وجوانب النشاط الواقعي فيها ؛ ومجالات الارتباط والاحتكاك ، والحاجات المتجددة وتنظيم هذه الحاجات . . الموضوعات التي تطرق جوانب منها النظريات والمذاهب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية . .
وفي كل حقل من هذه الحقول يجد الدارس الواعي لهذا القرآن وفرة من النصوص والتوجيهات يحار في كثرتها ووفرتها ! فوق ما في هذه الوفرة من أصالة وصدق وعمق وإحاطة ونفاسة !
إنني لم أجد نفسي مرة واحدة - في مواجهة هذه الموضوعات الأساسية - في حاجة إلى نص واحد من خارج هذا القرآن - فيما عدا قول رسول الله [ ص ] وهو من آثار هذه القرآن - بل إن اي قول آخر ليبدو هزيلاً - حتى لو كان صحيحاً - إلى جانب ما يجده الباحث في هذا الكتاب العجيب . .
إنها الممارسة الفعلية التي تنطق بهذه التقريرات ؛ والصحبة الطويلة في ظل حاجات الرؤية والبحث والنظر في هذه الموضوعات . . وما بي أن أثني على هذا الكتاب . . ومن أنا ومن هؤلاء البشر جميعاً ليضيفوا إلى كتاب الله شيئاً بما يملكون من هذا الثناء !
لقد كان هذا الكتاب هو مصدر المعرفة والتربية والتوجيه والتكوين الوحيد لجيل من البشر فريد . . جيل لم يتكرر بعد في تاريخ البشرية - لا من قبل ولا من بعد - جيل الصحابة الكرام الذين أحدثوا في تاريخ البشرية ذلك الحدث الهائل العميق الممتد ، الذي لم يدرس حق دراسته إلى الآن . .
لقد كان هذا المصدر هو الذي أنشأ - بمشيئة الله وقدره - هذه المعجزة المجسمة في عالم البشر . وهي المعجزة التي لا تطاولها جميع المعجزات والخوارق التي صحبت الرسالات جميعاً . . وهي معجزة واقعة مشهودة . . أن كان ذلك الجيل الفريد ظاهرة تاريخية فريدة . . .
ولقد كان المجتمع الذي تألف من ذلك الجيل أول مرة ، والذي ظل امتداده أكثر من ألف عام ، تحكمه الشريعة التي جاء بها هذا الكتاب ، ويقوم على قاعدة من قيمه وموازينه ، وتوجيهاته وإيحاءاته . . كان هذا المجتمع معجزة أخرى في تاريخ البشرية . حين تقارن إليه صور المجتمعات البشرية الأخرى ، التي تفوقه في الإمكانيات المادية - بحكم نمو التجربة البشرية في عالم المادة - ولكنها لا تطاوله في " الحضارة الإنسانية " !
إن الناس اليوم - في الجاهلية الحديثة ! - يطلبون حاجات نفوسهم ومجتمعاتهم وحياتهم خارج هذا القرآن ! كما كان الناس في الجاهلية العربية يطلبون خوارق غير هذا القرآن ! . . فأما هؤلاء فقد كانت تحول جاهليتهم الساذجة ، وجهالتهم العميقة - كما تحول أهواؤهم ومصالحهم الذاتية كذلك - دون رؤية الخارقة الكونية الهائلة في هذا الكتاب العجيب ! . . فأما أهل الجاهلية الحاضرة ، فيحول بينهم وبين هذا القرآن غرور " العلم البشري " الذي فتحه الله عليهم في عالم المادة . وغرور التنظيمات والتشكيلات المعقدة بتعقيد الحياة البشرية اليوم ؛ ونموها ونضجها من ناحية التنظيم والتشكيل . وهو أمر طبيعي مع امتداد الحياة وتراكم التجارب ، وتجدد الحاجات ، وتعقدها كذلك ! كما يحول بينهم وبين هذا القرآن كيد أربعة عشر قرناً من الحقد اليهودي والصليبي ؛ الذي لم يكف لحظة واحدة عن حرب هذا الدين وكتابه القويم ؛ وعن محاولة إلهاء أهله عنه ؛ وإبعادهم عن توجيهه المباشر . بعدما علم اليهود والصليبيون من تجاربهم الطويلة : أن لا طاقة لهم بأهل هذا الدين ، ما ظلوا عاكفين على هذا الكتاب ، عكوف الجيل الأول ، لا عكوف التغني بآياته وحياتهم كلها بعيدة عن توجيهاته ! . . هو كيد مطرد مصرّ لئيم خبيث . . ثمرته النهائية هذه الأوضاع التي يعيش فيها الناس الذين يسمون اليوم بالمسلمين - وما هم بالمسلمين ما لم يحكموا في حياتهم شريعة هذا الدين ! - وهذه المحاولات الأخرى في كل مكان للتعفية على آثار هذا الدين ؛ ولتدارس قرآن غير قرآنه ؛ يرجع إليه في تنظيم الحياة كلها ، ويرد إليه كل اختلاف ، وكل نزاع في التشريع والتقنين لهذه الحياة ؛ كما كان المسلمون يرجعون إلى كتاب الله في هذه الشؤون ! ! !
إنه هذا القرآن الذي يجهله أهله اليوم . لأنهم لا يعرفونه إلا تراتيل وترانيم وتعاويذ وتهاويم ! بعدما صرفتهم عنه قرون من الكيد اللئيم ، ومن الجهل المزري ، ومن التعاليم المغرورة ، ومن الفساد الشامل للفكر والقلب والواقع النكد الخبيث !
إنه هذا القرآن الذي كان الجاهليون القدامى يصرفون عنه الجماهير بطلب الخوارق المادية . والذي يصرف عنه الجاهليون المحدثون الجماهير بالقرآن الجديد الذي يفترونه ، وبشتى وسائل الإعلام والتوجيه ! إنه هذا القرآن الذي يقول عنه العليم الخبير :
( هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) . .
بصائر تكشف وتنير . وهدى يرشد ويهدي . ورحمة تغمر وتفيض . . ( لقوم يؤمنون )فهم الذين يجدون هذا كله في هذا القرآن الكريم . .
{ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآية قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إنمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 203 ) وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 204 ) وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ( 205 ) إن الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ( 206 ) }
بصائر : ما تبصر به عقولكم من الآيات .
{ 203 - وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآية قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا . . . } الآية .
كان المشركون لا يكفون عن طلب الخوارق من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والآية تحكي بعض أقوالهم ؛ الدالة على جهلهم بطبيعة الوحي والرسالة ؛ فقد كانوا يتصورون أن في مقدرة النبي معرفة الغيب ؛ أو الاقتراح على الله أن ينزل بعض المعجزات ، أو بعض الآيات من القرآن .
وإذا لم تأت أيها الرسول أهل مكة بآية مما اقترحوا حدوثه ، أو بآية من القرآن .
أي : لولا ألححت على ربك حتى ينزلها ! . . .
أو هلا فعلتها أنت من نفسك ؟ ألست نبيّا ؟ !
{ قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } .
أي : إنما أنا بشر يتلقى الوحي ، ولا يطلب ولا يقترح ؛ فإن الله هو الذي ينزل الوحي وهو العليم الحكيم الخبير بما يحتاج إليه العباد .
ونظير ذلك قوله تعالى : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائي نفسي أن أتبع إلا ما يوحي إلي إني أخاف أن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . ( يونس : 15 ) .
ثم نبههم الحق تعالى ، إلى هذا القرآن أعظم المعجزات ، وكأنه يقول لهم : ما لكم تطلبون شيئا لا يفيدكم ؟ وإنما لديكم هذا القرآن الذي يشتمل على آيات الله الكونية ويرشد إلى الهوى ، وينير الطريق للسالكين .
{ هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } .
أي : خذ القرآن بصائر وحجج ناهضة من ربكم ؛ يعود من تأملها وعقلها بصير بما تدل عليه من الحق ؛ إذ هي أدلّ عليه من الآيات الكونية التي تطلبونها .
قال تعالى : { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ } . ( الأنعام : 104 ) .
وهذا القرآن هذى للحيارى إلى طريق الاستقامة ؛ وهو أيضا رحمة في الدنيا والآخرة لمن يؤمن به ، فمن آمن به وعمل بأحكامه ؛ فهو من المفلحين .
قال تعالى : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون } . ( الأنعام : 155 ) .
جاء في التفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي :
هذا القرآن أعظم المعجزات ، وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبينات فهو متصف بخصائص ثلاث :
1 – مبصّر بالحق في دلالاته على التوحيد والنبوة والمعاد ، وتنظيم الحياة بأحسن التشريعات .
2 – هاد ومرشد إلى طريق الاستقامة .
3 – رحمة في الدنيا والآخرة للمؤمنين به .
وجاء في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب ما خلاصته :
إنه هذا القرآن بصائر تهدى ، ورحمة تفيض . . . لمن يؤمن به ويغتنم هذا الخير العميم .
إنه هذا القرآن الذي لا تبلغ خارقة مادّية من الإعجاز ما يبلغه . . . من أي جانب من الجوانب شاء الناس .
هذا جانبه التعبيري كان وما يزال إلى اليوم معجزا لا يتطاول إليه أحد في البشر ، تحدّاهم الله به وما يزال هذا التحدّي قائما . . .
ويبقى وراء ذلك السر المعجز في هذا الكتاب الفريد . . . ويبقى ذلك السلطان الذي له على الفطرة ، متى خلى بينه وبينها لحظة . . .
منهج هذا القرآن العجيب في مخاطبته الكينونة البشرية بحقائق الوجود ، وهو منهج يواجه هذه الكينونة بجملتها . . .
منهج هذا القرآن العجيب ، وهو يتناول قضايا الوجود ، فيكشف منها ما تتلقاه فطرة الإنسان وقلبه وعقله بالتسليم المطلق .
منهج هذا العجيب في النظرة الكلية في هذا الوجود وطبيعته ، وحقيقته ونشأته ، في النظرة الكلية إلى الإنسان ونفسه وأصله ونشأته ، وطبيعة تركيبه وانفعالاته واستجاباته وأحواله ، تلك الموضوعات التي تطرق جوانب منها علوم الحياة والنفس والتربية والاجتماع والعقائد والأديان . . . 97