في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (72)

49

وبينما هذا المشهد معروض . القوم في سعارهم المريض يستبشرون ويتلمظون . ولوط يدافعهم ويستثير نخوتهم ، ويستجيش وجدانهم ، ويحرك دواعي الفطرة السليمة فيهم ، وهم في سعارهم مندفعون . .

بينما المشهد البشع معروض على هذا النحو المثير يلتفت السياق خطابا لمن يشهد ذلك المشهد ، على طريقة العرب في كلامهم بالقسم :

( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) . .

لتصوير حالتهم الأصيلة الدائمة التي لا يرجى معها أن يفيقوا ولا أن يسمعوا هواتف النخوة والتقوى والفطرة السليمة .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (72)

وقوله - سبحانه - : { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } يرى جمهور المفسرين أنه كلام معترض بين أجزاء قصة لوط - عليه السلام - مع قومه ، لبيان أن الموعظة لا تجدى مع القوم الغاوين ، ولتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من سفهاء قومه .

فالخطاب فيه للنبى صلى الله عليه وسلم واللام في { لعمرك } لام القسم ، والمقسم به حياته صلى الله عليه وسلم والعمر - بفتح العين - لغة في العمر - بضمها ، ومعناهما : مدة حياة الإِنسان وبقائه في هذه الدنيا ، إلا أنهم ألزموا مفتوح العين في القسم ، وهو مبتدأ وخبره محذوف وجوبا والتقدير لعمرك قسمى أو يمبنى .

والسكرة : ذهاب العقل ، مأخوذة من السكر - بفتح السين وإسكان الكاف - وهو السد والإِغلاق . وأطلقت هنا على الغواية والضلالة لإِزالتهما الرشد والهداية عن عقل الإِنسان و { يعمهون } من العمه بمعنى التحير والتردد فى الأمر . وهو للبصيرة بمنزلة العمى للبصر .

يقال : عمه فلان - كفرح - عمها ، إذا تردد وتحير ، فهو عمه وعامه ، وهم عمهون وعمه - كركع -

والمعنى : بحق حياتك - أيها الرسول الكريم - إن هؤلاء المكذبين لك ، لفى غفلتهم وغوايتهم يترددون ويتحيرون ، شأنهم فى ذلك شأن الضالين من قبلهم كقوم لوط وقوم شعيب وقوم صالح ، وغيرهم من المتكبرين فى الأرض بغير الحق . .

قال الآلوسى : " وقوله { لعمرك } قسم من الله - تعالى - بعمر نبينا صلى الله عليه وسلم على ما عليه جمهور المفسرين . وأخرج البيهقى فى الدلائل ، وأبو نعيم وابن مردويه وغيرهم عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال : ما خلق الله - تعالى - وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم وما سمعت الله - تعالى - أقسم بحياة أحد غيره ، قال - تعالى - : { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } وقيل هو قسم من الملائكة بعمر لوط - عليه السلام - ، وهو مع مخالفته للمأثور محتاج لتقدير القول ، أى . قالت الملائكة للوط - عليه السلام - لعمرك . . وهو خلاف الأصل وإن كان سياق القصة شاهداً له وقرينة عليه . . " .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (72)

قوله : { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } العمر والعمر ، أي بفتح العين وضمها . وهما بمعنى واحد وهو الحياة . عمر الرجل عمرا ؛ أي عاشا زمانا طويلا . ولم يستعمل في القسم إلا المفتوح منهما . فنقول : لعمر الله . فاللام لتوكيد الابتداء والخبر محذوف تقديره : لعمر الله قسمي . أو لعمر الله ما أقسم به{[2472]} ، والله تعالى بقول لنبيه محمد ( ص ) : وحياتك يا محمد إن قومك من قريش ( لفي سكرتهم يعمهون ) أي في حيرتهم وغوايتهم يتيهون ويترددون .

وبذلك أقسم الله بحياة نبيه محمد ( ص ) . لاجرم أن هذا تشريف عظيم وتقدير بالغ من الله لرسوله ؛ إذ كرمه خير تكريم بأن أقسم حياته الكريمة الفضلى . قال ابن عباس في ذلك : ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد ( ص ) . وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلا بحياة محمد ( ص ) قال : وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا ( إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) . وقد أجمع المفسرون على أن الله تعالى قد أقسم ههنا بحياة محمد ( ص ) تشريفا له أن قومه من قريش في ( سكرتهم يعمهون ) أي في حيرتهم يترددون .

ويستفاد من الآية كراهة الحلف بغير الله . كأن يحلف المرء بنفسه أو بعمره أو حياته ؛ فإن ذلك منهي عنه أو محظور . وفي الخبر : " من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله " {[2473]} .


[2472]:- مختار الصحاح ص 454 وتفسير الرازي جـ19 ص 207.
[2473]:- تفسير ابن كثير جـ2 ص 555 وتفسير القرطبي جـ10 ص 39، 40 وتفسير الرازي جـ 19 ص 207.