في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (54)

54

( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . ألا له الخلق والأمر . تبارك الله رب العالمين ) . .

إن عقيدة التوحيد الإسلامية ، لا تدع مجالاً لأي تصور بشري عن ذات الله سبحانه ؛ ولا عن كيفيات أفعاله . . فالله سبحانه ليس كمثله شيء . . ومن ثم لا مجال للتصور البشري لينشىء صورة عن ذات الله . فكل التصورات البشرية إنما تنشأ في حدود المحيط الذي يستخلصه العقل البشري مما حوله من أشياء . فإذا كان الله - سبحانه - ليس كمثله شيء ، توقف التصور البشري إطلاقاً عن إنشاء صورة معينة لذاته تعالى . ومتى توقف عن إنشاء صورة معينة لذاته العلية فإنه يتوقف تبعاً لذلك عن تصور كيفيات أفعاله جميعاً . ولم يبق أمامه إلا مجال تدبر آثار هذه الأفعال في الوجود من حوله . . وهذا هو مجاله . .

ومن ثم تصبح أسئلة كهذه : كيف خلق الله السماوات والأرض ؟ كيف استوى على العرش ؟ كيف هذا العرش الذي استوى عليه الله سبحانه ؟ ! . . . تصبح هذه الأسئلة وأمثالها لغوا يخالف توجيهها قاعدة الاعتقاد الإسلامي . أما الإجابة عليها فهي اللغو الأشد الذي لا يزاوله من يدرك تلك القاعدة ابتداء ! ولقد خاضت الطوائف - مع الأسف - في هذه المسائل خوضاً شديداً في تاريخ الفكر الإسلامي ، بالعدوى الوافدة على هذا الفكر من الفلسفة الإغريقية !

فأما الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض ، فهي كذلك غيب لم يشهده أحد من البشر ولا من خلق الله جميعاً : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم . . وكل ما يقال عنها لا يستند إلى أصل مستيقن .

إنها قد تكون ست مراحل . وقد تكون ستة أطوار . وقد تكون ستة أيام من أيام الله التي لاتقاس بمقاييس زماننا الناشئ من قياس حركة الأجرام - إذ لم تكن قبل الخلق هذه الأجرام التي نقيس نحن بحركتها الزمان ! . . وقد تكون شيئاً آخر . . فلا يجزم أحد ماذا يعني هذا العدد على وجه التحديد . . وكل حمل لهذا النص ومثله على " تخمينات " البشرية التي لا تتجاوز مرتبة الفرض والظن - باسم " العلم ! " - هو محاولة تحكمية ، منشؤها الهزيمة الروحية أمام " العلم " الذي لا يتجاوز في هذا المجال درجة الظنون والفروض !

ونخلص نحن من هذه المباحث التي لا تضيف شيئاً إلى هدف النص ووجهته . لنرتاد مع النصوص الجميلة تلك الرحلة الموحية في أقطار الكون المنظور ، وفي أسراره المكنونة :

( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . ألا له الخلق والأمر . تبارك الله رب العالمين ) . .

إن الله الذي خلق هذا الكون المشهود في ضخامته وفخامته . والذي استعلى على هذا الكون يدبره بأمره ويصرفه بقدره . يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً . . في هذه الدوره الدائبة : دورة الليل يطلب النهار في هذا الفلك الدوار . والذي جعل الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . . إن الله الخالق المهيمن المصرف المدبر ، هو( ربكم ) . . هو الذي يستحق أن يكون رباً لكم . يربيكم بمنهجه ، ويجمعكم بنظامه ، ويشرع لكم بإذنه ، ويقضي بينكم بحكمه . . إنه هو صاحب الخلق والأمر . . وكما أنه لا خالق معه . فكذلك لا آمر معه . . هذه هي القضية التي يستهدفها هذا الاستعراض . . قضية الألوهية والربوبية والحاكمية ، وإفراد الله سبحانه بها . . وهي قضية العبودية من البشر في شريعة حياتهم . فهذا هو الموضوع الذي يواجهه سياق السورة ممثلاً في مسائل اللباس والطعام . كما كان سياق سورة الأنعام يواجهه كذلك في مسائل الأنعام والزروع والشعائر والنذور .

ولا ينسينا الهدف العظيم الذي يستهدفه السياق القرآني بهذا الاستعراض ، أن نقف لحظات أمام روعة المشاهد وحيويتها وحركتها وإيحاءاتها العجيبة . فهي من هذه الوجهة كفء للهدف العظيم الذي تتوخاه . .

إن دورة التصور والشعور مع دورة الليل والنهار في هذا الفلك الدوار ، والليل يطلب النهار حثيثاً ، ويريده مجتهداً ! لهي دورة لا يملك الوجدان ألا يتابعها ؛ وألا يدور معها ! وألا يرقب هذا السباق الجبار بين الليل والنهار ، بقلب مرتعش ونفس لاهث ! وكله حركة وتوفز ، وكله تطلع وانتظار !

إن جمال الحركة وحيويتها و " تشخيص " الليل والنهار في سمت الشخص الواعي ذي الإرادة والقصد . . إن هذا كله مستوى من جمال التصوير والتعبير لا يرقى إليه فنّ بشري على الإطلاق !

إن الألفة التي تقتل الكون ومشاهده في الحس ؛ وتطبع النظرة إليه بطابع البلادة والغفلة . . إن هذه الألفة لتتوارى ، ليحل محلها وقع المشهد الجديد الرائع الذي يطالع الفطرة كأنما لأول وهلة ! . . إن الليل والنهار في هذا التعبير ليسا مجرد ظاهرتين طبيعيتين مكرورتين . وإنما هما حيان ذوا حس وروح وقصد واتجاه . يعاطفان البشر ويشاركانهم حركة الحياة ؛ وحركة الصراع والمنافسة والسباق التي تطبع الحياة !

كذلك هذه الشمس والقمر والنجوم . . إنها كائنات حية ذات روح ! إنها تتلقى أمر الله وتنفذه ، وتخضع له وتسير وفقه . إنها مسخرة ، تتلقى وتستجيب ، وتمضي حيث أمرت كما يمضي الأحياء في طاعة الله !

ومن هنا يهتز الضمير البشري ؛ وينساق للإستجابة ، في موكب الأحياء المستجيبة . ومن هنا هذا السلطان للقرآن الذي ليس لكلام البشر . . إنه يخاطب فطرة الإنسان بهذا السلطان المستمد من قائله - سبحانه - الخبير بمداخل القلوب وأسرار الفطر . .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (54)

{ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } أي في مقدار ستة أيام من الأحد إلى السبت واجتمع الخلق في الجمعة { ثم استوى على العرش } أقبل على خلقه وقصد إلى ذلك بعد خلق السموات والأرض { يغشي الليل النهار } يلبسه ويدخله عليه { يطلبه حثيثا } يطلب الليل دائبا لا غفلة له { والشمس } وخلق الشمس { والقمر والنجوم مسخرات } مذللات لما يراد منها من طلوع وأفول وسير ورجوع { بأمره } بإذنه { ألا له الخلق } يعني إن جميع ما في العالم مخلوق له و له { الأمر } فيهم يأمر بما أراد { تبارك الله } تمجد وتعظم وارتفع وتعالى

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (54)

قوله تعالى : " إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام " بين أنه المنفرد بقدرة الإيجاد ، فهو الذي يجب أن يعبد . وأصل " ستة " سدسة ، فأرادوا إدغام الدال في السين فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما . وإن شئت قلت : أبدل من إحدى السينين تاء وأدغم في الدال ؛ لأنك تقول في تصغيرها : سديسة ، وفي الجمع أسداس ، والجمع والتصغير يردان الأسماء إلى أصولها . ويقولون : جاء فلان سادسا وسادتا وساتا ، فمن قال : سادتا أيدل من السين تاء .

واليوم : من طلوع الشمس إلى غروبها . فإن لم يكن شمس فلا يوم . قاله القشيري . وقال : ومعنى ( في ستة أيام ) أي من أيام الآخرة ، كل يوم ألف سنة ؛ لتفخيم خلق السماوات والأرض . وقيل : من أيام الدنيا . قال مجاهد وغيره : أولها الأحد وآخرها الجمعة . وذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل ؛ إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون . ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور ، ولتظهر قدرته للملائكة شيئا بعد شيء . وهذا عند من يقول : خلق الملائكة قبل خلق السماوات والأرض . وحكمة أخرى - خلقها في ستة أيام لأن لكل شيء عنده أجلا . وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب ؛ لأن لكل شيء عنده أجلا . وهذا كقول : " ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب . فاصبر على ما يقولون{[7148]} " [ ق : 38 ، 39 ] . بعد أن قال : " وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا " [ ق : 36 ] .

قوله تعالى : " ثم استوى على العرش " هذه مسألة الاستواء ، وللعلماء فيها كلام وإجراء . وقد بينا أقوال العلماء فيها في الكتاب( الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى ) وذكرنا فيه هناك أربعة عشر قولا . والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة ، فليس بجهة فوق عندهم ؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز ، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز ، والتغير والحدوث . هذا قول المتكلمين . وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله . ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة . وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته . قال مالك رحمه الله : الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول ، والسؤال عن هذا بدعة . وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها . وهذا القدر كاف ، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء . والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار . قال الجوهري : واستوى من اعوجاج ، واستوى على ظهر دابته ؛ أي استقر . واستوى إلى السماء أي قصد . واستوى أي استولى وظهر . قال :

قد استوى بِشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق

واستوى الرجل أي انتهى شبابه . واستوى الشيء إذا اعتدل . وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى : " الرحمن على العرش استوى{[7149]} " [ طه : 5 ] قال : علا . وقال الشاعر :

فأوردتهم ماءَ بفيفاءَ قَفْرَةٍ *** وقد حَلَّقَ النجمُ اليمانيُّ فاستَوَى

أي علا وارتفع .

قلت : فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته . أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد ، ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه ؛ لكنه العلي بالإطلاق سبحانه .

قوله تعالى : " على العرش " لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد . قال الجوهري وغيره : العرش سرير الملك . وفي التنزيل " نكروا لها عرشها{[7150]} " [ النمل : 41 ] ، " ورفع أبويه على العرش{[7151]} " [ يوسف : 100 ] . والعرش : سقف البيت . وعرش القدم : ما نتأ في ظهرها وفيه الأصابع . وعرش السماك : أربعة كواكب صغار أسفل من العواء{[7152]} ، يقال : إنها عجز الأسد . وعرش البئر : طيها بالخشب ، بعد أن يطوى أسفلها بالحجارة قدر قامة ، فذلك الخشب هو العرش ، والجمع عروش . والعرش اسم لمكة . والعرش الملك والسلطان . يقال : ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزه . قال زهير :

تداركتُمَا عبساً وقد ثُلَّ عرشُهَا *** وذُبْيَانُ إذ ذَلَّتْ بأقدامها النَّعْلُ

وقد يؤول العرش في الآية بمعنى الملك ، أي ما استوى الملك إلا له جل وعز . وهو قول حسن وفيه نظر ، وقد بيناه في جملة الأقوال في كتابنا . والحمد لله .

قوله تعالى : " يغشي الليل النهار " أي يجعله كالغشاء ، أي يذهب نور النهار ليتم قوام الحياة في الدنيا بمجيء الليل . فالليل للسكون ، والنهار للمعاش . وقرئ " يغشى " بالتشديد ، ومثله في " الرعد{[7153]} " . وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي . وخفف الباقون . وهما لغتان أغشى وغشى . وقد أجمعوا على " فغشاها{[7154]} ما غشى " [ النجم : 54 ] مشددا . وأجمعوا على " فأغشيناهم{[7155]} " [ يس : 9 ] فالقراءتان متساويتان . وفي التشديد معنى التكرير والتكثير . والتغشية والإغشاء : إلباس الشيءِ الشيءَ . ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل ، فاكتفى بأحدهما عن الآخر ، مثل " سرابيل تقيكم{[7156]} الحر " [ النحل : 81 ] . " بيدك الخير{[7157]} " [ آل عمران : 26 ] . وقرأ حميد بن قيس " يغشي الليل النهار " ومعناه أن النهار يغشي الليل .

قوله تعالى : " يطلبه حثيثا " أي يطلبه دائما من غير فتور . و " يغشي الليل النهار " في موضع نصب على الحال . والتقدير : استوى على العرش مغشيا الليل النهار . وكذا " يطلبه حثيثا " حال من الليل ، أي يغشي الليل النهار طالبا له . ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ليست بحال . " حثيثا " بدل من طالب المقدر أو نعت له ، أو نعت لمصدر محذوف ، أي يطلبه طلبا سريعا . والحث : الإعجال والسرعة . وولى حثيثا أي مسرعا . " والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره " قال الأخفش : هي معطوفة على السماوات ، أي وخلق الشمس . وروي عن عبد الله بن عامر بالرفع فيها كلها على الابتداء والخبر .

قوله تعالى : " ألا له الخلق والأمر " فيه مسألتان :

الأولى - صدق الله في خبره ، فله الخلق وله الأمر ، خلقهم وأمرهم بما أحب . وهذا الأمر يقتضي النهي . قال ابن عيينة : فرق بين الخلق والأمر ، فمن جمع بينهما فقد كفر . فالخلق المخلوق ، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله : " كن " . " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون{[7158]} " [ يس : 82 ] . وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن ؛ إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقا لكان قد قال : ألا له الخلق والخلق . وذلك عي من الكلام ومستهجن ومستغث . والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه . ويدل عليه قوله سبحانه . " ومن آياته أن تقوم السماء والأرض{[7159]} بأمره " [ الروم : 25 ] . " والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره{[7160]} " [ الأعراف : 54 ] . فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره ، فلو كان الأمر مخلوقا لافتقر إلى أمر آخر يقوم به ، وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى ما لا نهاية له . وذلك محال . فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق ؛ ليصح قيام المخلوقات به . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق{[7161]} " [ الحجر : 85 ] . وأخبر تعالى أنه خلقهما بالحق ، يعني القول وهو قوله للمكونات : " كن " . فلو كان الحق مخلوقا لما صح أن يخلق به المخلوقات ؛ لأن الخلق لا يخلق بالمخلوق . يدل عليه " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين{[7162]} " [ الصافات : 171 ] . " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون{[7163]} " [ الأنبياء : 101 ] . " ولكن حق القول مني{[7164]} " [ السجدة : 13 ] . وهذا كله إشارة إلى السبق في القول في القدم{[7165]} ، وذلك يوجب الأزل في الوجود . وهذه النكتة كافية في الرد عليهم . ولهم آيات احتجوا بها على مذهبهم ، مثل قوله تعالى : " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث{[7166]} " [ الأنبياء : 2 ] الآية . ومثل قوله تعالى : " وكان أمر الله قدرا مقدورا{[7167]} " [ الأحزاب : 38 ] . و " مفعولا{[7168]} " [ المزمل : 18 ] وما كان مثله . قال القاضي أبو بكر : معنى " ما يأتيهم من ذكر{[7169]} " أي من وعظ من النبي صلى الله عليه وسلم ووعد وتخويف " إلا استمعوه وهم يلعبون " ؛ لأن وعظ الرسل صلوات الله عليهم وسلامه وتحذيرهم ذكر . قال الله تعالى : " فذكر إنما أنت مذكر{[7170]} " [ الغاشية : 21 ] . ويقال : فلان في مجلس الذكر . ومعنى " وكان أمر الله قدرا مقدورا " و " مفعولا " أراد سبحانه عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين وما حكم به وقدره من أفعاله . ومن ذلك قوله تعالى : " حتى إذا جاء أمرنا{[7171]} " [ هود : 40 ] وقال عز وجل : " وما أمر فرعون برشيد " [ هود : 97 ] يعني به شأنه وأفعال وطرائقه . قال الشاعر :

لها أمرُها حتى إذا ما تبوَّأت *** بأخفافها مرعىً تبوَّأ مضجَعَا

الثانية - وإذا تقرر هذا فاعلم أن الأمر ليس من الإرادة في شيء . والمعتزلة تقول : الأمر نفس الإرادة . وليس بصحيح ، بل يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد . ألا ترى أنه أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يرده منه ، وأمر نبيه أن يصلي مع أمته خمسين صلاة ، ولم يرد منه إلا خمس صلوات . وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول : " ويتخذ منكم شهداء{[7172]} " [ آل عمران : 140 ] . وقد نهى الكفار عن قتله ولم يأمرهم به . وهذا صحيح نفيس في بابه ، فتأمله .

قوله تعالى : " تبارك الله رب العالمين " " تبارك " تفاعل ، من البركة وهي الكثرة والاتساع . يقال : بورك الشيء وبورك فيه . قاله ابن عرفة . وقال الأزهري : " تبارك " تعالى وتعاظم وارتفع . وقيل : إن باسمه يتبرك ويتيمن . وقد مضى في الفاتحة معنى " رب العالمين{[7173]} " [ الفاتحة ، 1 ] .


[7148]:راجع ج 17 ص 22 فما بعد
[7149]:راجع ج 11 ص 169.
[7150]:راجع ج 13 ص 207.
[7151]:راجع ج 9 ص 264.
[7152]:العواء: خمسة كواكب على خط معقف الطرف. وقال ابن سيده: العواء منزل من منازل القمر يمد ويقصر والألف في آخره للتأنيث.
[7153]:راجع ج 9 ص 280.
[7154]:راجع ج 17 ص 121.
[7155]:راجع ج 15 ص 9.
[7156]:راجع ج 10 ص 159.
[7157]:راجع ج 4 ص 51
[7158]:راجع ج 15 ص 60 وص 139
[7159]:راجع ج 14 ص 19 وص 965 . 188.
[7160]:راجع ج 10 ص 83 وص 53.
[7161]:راجع ج 10 ص 83 وص 53
[7162]:راجع ج 15 ص 60 وص 139.
[7163]:راجع ج 11 ص 345 وص 266.
[7164]:راجع ج 14 ص 19 وص 965 . 188
[7165]:في ج: القديم
[7166]:راجع ج 11 ص 345 وص 266.
[7167]:راجع ج 14 ص 19 وص 965 . 188.
[7168]:راجع ج 14 ص 19 وص 965 . 188.
[7169]:راجع ج 11 ص 345 وص 266
[7170]:راجع 20 ص 37
[7171]:راجع ج 9 ص 33 وص 93
[7172]:راجع ج 4 ص 218.
[7173]:راجع ج 1 ص 136