تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (70)

يقول تعالى محذرا المنافقين أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم المكذبة . { قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ } أي : قرى قوم لوط .

فكلهم { أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } أي : بالحق الواضح الجلي ، المبين لحقائق الأشياء ، فكذبوا بها ، فجرى عليهم ما قص اللّه علينا ، فأنتم أعمالكم شبيهة بأعمالهم ، استمتعتم بخلاقكم ، أي : بنصيبكم من الدنيا فتناولتموه على وجه اللذة والشهوة معرضين عن المراد منه ، واستعنتم به على معاصي اللّه ، ولم تتعد همتكم وإرادتكم ما خولتم من النعم كما فعل الذين من قبلكم وخضتم كالذي خاضوا ، أي : وخضتم بالباطل والزور وجادلتم بالباطل لتدحضوا به الحق ، فهذه أعمالهم وعلومهم ، استمتاع بالخلاق وخوض بالباطل ، فاستحقوا من العقوبة والإهلاك ما استحق من قبلهم ممن فعلوا كفعلهم ، وأما المؤمنون فهم وإن استمتعوا بنصيبهم وما خولوا من الدنيا ، فإنه على وجه الاستعانة به على طاعة اللّه ، وأما علومهم فهي علوم الرسل ، وهي الوصول إلى اليقين في جميع المطالب العالية ، والمجادلة بالحق لإدحاض الباطل .

قوله { فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } إذ أوقع بهم من عقوبته ما أوقع . { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث تجرأوا على معاصيه ، وعصوا رسلهم ، واتبعوا أمر كل جبار عنيد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (70)

قوله تعالى : { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ونوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبنيات فما كان الله ليظلهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } الاستفهام للتقرير . والضمير في { يأتيهم } عائد إلى المنافقين الذين يسرون الكفر وينهون الناس عن الإيمان بالله ورسوله وعن فعل الصالحات أولئك الذين يشبه حالهم حال الكافرين السابقين الذين دمر الله عليهم تدميرا وهو قوله : { نبأ الذين من قبلهم } أي خبر الأمم السابقة وما فعلون من العصيان والتمرد وتكذيب المرسلين ، وما حل بهم في مقابل ذلك من العقاب الشديد . أفلم يأت هؤلاء المنافقين أنباء ما حل بنظرائهم السابقين من العذاب فيزدجروا وينتهوا عما هم فيه من الظلم والعصيان لكي ينجوا مما يعددهم من العقاب .

على أن المشبه بهم من السابقين هنا في الآية ست أمم وهم : قوم نوح وقد أهلكهم الله بالطوفان والتغريق ، ثم قوم عاد وقد أهلكهم الله بالريح العقيم ، الريح الصرصر العاتية ، ثم قوم ثمود وقد أخذتهم الصيحة ، ثم قوم إبراهيم وقد بعض الله عليهم البعوض فنخرهم نخرا حتى فنوا ، ثم أصحاب مدين وهم قوم شعيب ، وقد أهلكهم الله بعذاب يوم الظلة ، ثم أصحاب المؤتفكات وهي قرى قوم لوط ، وقد سميت بالمؤتفكات ، من الائتفاك وهو الانقلاب ؛ فقد انقلب بهم الأرض حتى صار عاليها سافلها .

هذه الأمم جميعا { أتتهم رسلهم بالبينات } أي جاءهم المرسلون بالنور والهدى ليؤمنوا بالله ويستقيموا على دينه وشرعه فأبوا وعصوا ؛ فجزاهم الله بما فعلوه شر الجزاء ؛ إذ بعث عليهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ، وسيأتيهم يوم القيامة من سوء العذاب ما هو أشد وأخزى .

قوله : { فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أي لم يكن الله ليظلم أحدا في العالمين ولا ليظلم هذه الأمم بما حل بهم من البلاء وسوء العقاب ؛ ولكنهم هم استحقوا من الله أن يحيق بهم العذاب بسبب إجرامهم وما تلبسوا به من الجحود والمعاصي{[1848]} .


[1848]:تفسير الطبري جـ 10 ص 122ـ 123 وفتح القدير جـ 2 ص 380 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 202 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 368.