تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا} (8)

{ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ } فيديل لكم الكرة عليهم ، فرحمهم وجعل لهم الدولة . وتوعدهم على المعاصي فقال : { وَإِنْ عُدْتُمْ } إلى الإفساد في الأرض { عُدْنَا } إلى عقوبتكم ، فعادوا لذلك فسلط الله عليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم

فانتقم الله به منهم ، فهذا جزاء الدنيا وما عند الله من النكال أعظم وأشنع ، ولهذا قال : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } يصلونها ويلازمونها لا يخرجون منها أبدا . وفي هذه الآيات التحذير لهذه الأمة من العمل بالمعاصي لئلا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل ، فسنة الله واحدة لا تبدل ولا تغير .

ومن نظر إلى تسليط الكفرة على المسلمين والظلمة ، عرف أن ذلك من أجل ذنوبهم عقوبة لهم وأنهم إذا أقاموا كتاب الله وسنة رسوله ، مكن لهم في الأرض ونصرهم على أعدائهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا} (8)

قوله تعالى : " عسى ربكم أن يرحمكم " وهذا مما أخبروا به في كتابهم . و " عسى " وعد من الله أن يكشف عنهم . و " عسى " من الله واجبة . " أن يرحمكم " بعد انتقامه منكم ، وكذلك كان ، فكثر عددهم وجعل منهم الملوك . " وإن عدتم عدنا " قال قتادة : فعادوا فبعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم ، فهم يعطون الجزية بالصغار ، وروي عن ابن عباس . وهذا خلاف ما تقدم في الحديث وغيره . وقال القشيري : وقد حل العقاب ببني إسرائيل مرتين على أيدي الكفار ، ومرة على أيدي المسلمين . وهذا حين عادوا فعاد الله عليهم . وعلى هذا يصح قول قتادة . " وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " أي محبسا وسجنا ، من الحصر وهو الحبس . قال الجوهري : يقال حصره يحصره حصرا ضيق عليه وأحاط به . والحصير : الضيق البخيل . والحصير : البارية . والحصير : الجنب ، قال الأصمعي : هو ما بين العرق الذي يظهر في جنب البعير والفرس معترضا فما فوقه إلى منقطع الجنب . والحصير : الملك ؛ لأنه محجوب . قال لبيد :

وقَمَاقِمٍ غُلْبِ الرِّقَابِ كأنهم *** جِنّ لدى باب الحَصير قيام

ويروى{[10143]} :

ومَقَامَةٍ غُلْب الرقاب . . .

على أن يكون ( غلب ) به لا من ( مقامة ) كأنه قال : ورب غلب الرقاب . وروي عن أبي عبيدة :

لدى طرف الحصير قيام

أي عند طرف البساط للنعمان بن المنذر . والحصير : المحبس ، قال الله تعالى : " وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " . قال القشيري : ويقال للذي يفرش حصير ، لحصر بعضه على بعض بالنسج . وقال الحسن : أي فراشا ومهادا ، ذهب إلى الحصير الذي يفرش ؛ لأن العرب تسمي البساط الصغير حصيرا . قال الثعلبي : وهو وجه حسن .


[10143]:في هامش ج: قال الشيخ المصنف: ويروى: وعصابة.