وتسلسل الصلاح والتوفيق بذرياتهم ، فلهذا قال تعالى { ذرية بعضها من بعض } أي : حصل التناسب والتشابه بينهم في الخلق والأخلاق الجميلة ، كما قال تعالى لما ذكر جملة من الأنبياء الداخلين في ضمن هذه البيوت الكبار { ومن آبائهم وإخوانهم وذرياتهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم } { والله سميع عليم } يعلم من يستحق الاصطفاء فيصطفيه ومن لا يستحق ذلك فيخذله ويرديه ، ودل هذا على أن هؤلاء اختارهم لما علم من أحوالهم الموجبة لذلك فضلا منه وكرما ، ومن الفائدة والحكمة في قصه علينا أخبار هؤلاء الأصفياء أن نحبهم ونقتدي بهم ، ونسأل الله أن يوفقنا لما وفقهم ، وأن لا نزال نزري{[2]} أنفسنا بتأخرنا عنهم وعدم اتصافنا بأوصافهم ومزاياهم الجميلة ، وهذا أيضا من لطفه بهم ، وإظهاره الثناء عليهم في الأولين والآخرين ، والتنويه بشرفهم ، فلله ما أعظم جوده وكرمه وأكثر فوائد معاملته ، لو لم يكن لهم من الشرف إلا أن أذكارهم مخلدة ومناقبهم مؤبدة لكفى بذلك فضلا .
قوله : ( ذرية بعضها من بعض ) ( ذرية ) منصوب على الحال وذرية من الذر وهو النسل . والذرية هم صغار ، وتكون الذرية واحدا وجمعا . وفيها ثلاث لغات أفصحها ضم الذال ، والثانية كسرها . والثالثة فتحها مع تخفيف الراء . وتجمع على ذريات وذراري{[450]} . وإنما جعل بعضهم من بعض في بعضهم في التناصر والموالاة في الدين والمؤازرة على الإسلام والحق . وذلك كقوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) وقوله أيضا : ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) أي أن دينهم واحد وطريقتهم واحدة وهم في الضلالة مؤتلفون .
وعلى هذا فقوله : ( ذرية بعضها من بعض ) معناه : ذرية ، دين بعضها دين بعض ، وكلمتهم واحدة وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته . وأوهم بعضهم من بعض في النية والعمل والإخلاص والتوحيد .
وقوله : ( والله سميع عليم ) يحتمل معنيين ، أحدهما : أنه يعلم من يصلح للاصطفاء من الناس تبعا لاستقامة أقوالهم وأعمالهم .
ثانيهما : أنه سميع بقول امرأة عمران عليم بنيتها{[451]} إذ قالت ما في الآية التالية وهي : قوله تعالى : ( إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) موضع ( إذ ) من الأعراب جاء فيه أقوال كثيرة منها أنها زائدة ، ( امرأة عمران ) هي أم مريم كانت لا تحمل فرغبت أن يكون لها ولد كغيرها من النساء ، فدعت ربها أن يهبها ولدا فاستجاب لها . فلما حملت به نذرت أن يكون مولودها محررا لله . أي خالصا مفرغا للعبادة لخدمة بيت المقدس . وهذا مقتضى قوله : ( إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ) ( محررا ) منصوب على الحال . وتدعو امرأة عمران ربها على أنه السميع العلي ، أي السميع لدعائي العليم بنيتي .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.