البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (34)

{ ذرية بعضها من بعض } أجازوا في نصب : ذرية ، وجهين : .

أحدهما : أن يكون بدلاً .

قال الزمخشري { من آل إبراهيم وآل عمران } يعني أن الآلين ذرية واحدة ، وقال غيره بدل من نوح ومن عطف عليه من الأسماء .

قال أبو البقاء : ولا يجوز أن يكون بدلاً من آدم لأنه ليس بذرية انتهى .

وقال ابن عطية : لا يسوغ أن تقول في والد هذا ذرية لولده .

وقال الراغب : الذرية يقال للواحد والجمع والأصل والنسل .

كقوله : { حملنا ذريتهم } أي آباءهم ، ويقال للنساء : الذراري .

وقال صاحب النظم : الآية توجب أن تكون الآباء ذرية للأبناء ، والابناء ذرية للآباء ، وجاز ذلك لأنه من ذرأ الله الخلق ، فالأب ذرىء منه الولد ، والولد ذرىء من الأب .

وقال معناه النقاش فعلى قول الراغب وصاحب النظم ، يجوز أن يكون : ذرية ، بدلاً من : آدم ، ومن عطف عليه .

وأجازوا أيضاً نصب : ذرية ، على الحال ، وهو الوجه الثاني من الوجهين ، ولم يذكره الزمخشري ، وذكره ابن عطية .

وقال : وهو أظهر من البدل .

وتقدّم الكلام على ذرية دلالةً واشتقاقاً ووزناً ، فأغنى عن إعادته .

وقرأ زيد بن ثابت والضحاك : ذِرية ، بكسر الذال ، والجمهور بالضم .

{ بعضها من بعض } جملة في موضع الصفة لذرية و : من ، للتبعيض حقيقة أي : متشعبة بعضها من بعض في التناسل ، فإن فسر عمران بوالد موسى وهارون فهما منه ، وهو من يصهر ، ويصهر من قاهث ، وقاهث من لاوي ، ولاوى من يعقوب ، ويعقوب من إسحاق ، وإسحاق من إبراهيم عليهم السلام .

وإن فسر عمران بوالد مريم أم عيسى ، فعيسى من مريم ، ومريم من عمران بن ماثان ، وهو من ولد سليمان بن داود ، وسليمان من ولد يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقيل : من ، للتبعيض مجازاً أي : من بعض في الإيمان والطاعة والإنعام عليهم بالنبوّة ، وإلى نحو من هذا ذهب الحسن ، قال : من بعض في تناصر الدين ، وقال أبوروت : بعضها على دين بعض .

وقال قتادة : في النية والعمل والإخلاص والتوحيد .

{ والله سميع عليم } أي سميع لما يقوله الخلق ، عليم بما بضمرونه .

أو : سميع لما تقوله امرأة عمران ، عليم بما تقصد .

أو : سميع لما تقوله الذرية ، عليم بما تضمره .

ثلاثة أقوال .

وقال الزمشخري : عليم بمن يصلح للاصطفاء ، أو : يعلم أن بعضهم من بعض في الدين . انتهى .

والذي يظهر أن ختم هذه الآية بقوله { والله سميع عليم } مناسب لقوله { آل إبراهيم وآل عمران } لأن إبراهيم عليه السلام دعا لآله في قوله : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع } بقوله : { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات }

وحمد ربه تعالى فقال : { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق } وقال مخبراً عن ربه : { إن ربي لسميع الدعاء } ثم دعا ربه بأن يجعله مقيم الصلاة وذريته ، وقال حين بنى هو واسماعيل الكعبة { ربنا تقبل منا } إلى سائر ما دعا به حتى قوله : { وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك } ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنا دعوة إبراهيم » فلما تقدمت من إبراهيم تضرعات وأدعية لربه تعالى في آله وذريته ، ناسب أن يختم بقوله : { والله سميع عليم } وكذلك آل عمران ، دعت امرأة عمران بقبول ما كانت نذرته لله تعالى ، فناسب أيضاً ذكر الوصفين ، ولذلك حين ذكرت النذر ودعت بتقبله ، أخبرت عن ربها بأنه { السميع العليم } أي : السميع لدعائها ، العليم بصدق نيتها بنذرها ما في بطنها الله تعالى .

/خ37